تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
وكان سهل يقول : المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي ، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر . وكان أبو يزيد يقول : إذا توجهت إلى المسجد كأن في وسطي زنارا أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فينقطع عني الزنار ، فهذا لي في كل يوم خمس مرات .
شرح
كفه إلا بعد موته . قال ؛ فنفذ وصيته ( فاشترى السكر واللوز وفرقه عند موته ) كما أمر . قال : ولم أحدث بذلك أحدا إلا خصوص إخواني من العلماء ، وذلك أن العبد مهما عمل في حياته من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة وقلب قلبه فيه وأشهد وجده إياه عند آخر ساعة من وفاته ، فإن استحلى ذلك بقلبه واستهوته نفسه وقف معه وسكن إليه ، فإذا وقف معه حسب عليه وجعل عملا من أعماله إلا أنه من أعمال القلوب في الوقت ، وقد تقدم سعيه فيه وهواه قبل الوقت وكان ذلك فاتبع سببا ، وإن قل وكان هو الخاتمة فسبحان متيح الأسباب وجاعلها أبوابا ومقيض القرناء وجاعلها حجاجا . ( وكان ) أبو محمد ( سهل ) التستري رحمه اللّه ( يقول : المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي ، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر ) نقله صاحب القوت . قال : ( و ) كذلك ( كان أبو يزيد ) البسطامي رحمه اللّه تعالى قبله ( يقول : إذا ذهبت إلى المسجد كأن في وسطي زنارا أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فينقطع علي الزنار ، فهذا لي في كل يوم خمس مرات ) هذا لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في قدرة الغيوب كذا في القوت . وقال القشيري في الرسالة ، وقال أبو يزيد : منذ ثلاثين سنة أصلي واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أن أقطع زناري اه . قال الشارح : فسره في موضع آخر فقال : كنت اثنتي عشرة سنة حداد نفسي وخمس سنين مرآة قلبي وسنة نظر فيما بينهما ، فإذا في وسطي زنار ظاهر فعملت في قطعة اثنتي عشرة سنة ، ثم نظرت فإذا في وسطى زنار باطني فعملت في قطعة خمس سنين فلما قطعه رأى الخلق كلهم وهو منهم موتى ، فكبر عليهم أربع تكبيرات ، وذلك لأن الحداد شأنه أن يحمي الحديد ويطرقه ليصفيه ويخرج وسخه فقال : كنت أعدل جوارحي وخواطري بالخوف والرجاء هذه المدة حتى اعتدلت على الشريعة ، فرأيت في نفسي التفاتا إلى الخلق ليعرفوا ما أنا عليه من الطاعة الخالصة فشبه نفسه حيث التفت في عمله إلى غير اللّه بعلامة الشرك وهي الزنار الظاهر فعمل في قطعه ، فلما تخلص منه أعجب بنفسه وهواه وحمد نفسه على ذلك ونسي منه ربه عليه ، فلما أدرك ذلك رأى زنارا باطنا حيث جعل لنفسه أثرا في طاعته ، فلما من اللّه برؤية فضله عليه وأن جميع الخلق كالموتى في أنهم لا يضرون ولا ينفعون كبر عليهم أربع تكبيرات فذكر اللّه وحده واستند إليه دون غيره فقوله : كأني في صلاتي مجوسي يعني في المدة التي كان يعمل فيها في قطع الزنار الظاهر مع ما قبلها ، واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 450 | مرتضى الزبيدي