من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة ، وهم الذين وصفهم اللّه تعالى إذ قال :
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
[ المؤمنون : 60 ] ولما احتضر سفيان جعل يبكي ويجزع ، فقيل له يا أبا عبد اللّه عليك بالرجاء فإنّ عفو اللّه أعظم من ذنوبك ، فقال : أو على ذنوبي أبكي لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى اللّه بأمثال الجبال من الخطايا .
وحكي عن بعض الخائفين أنه أوصى بعض إخوانه فقال : إذا حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي فإن رأيتني مت على التوحيد فخذ جميع ما أملكه فاشتريه لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل البلد ، وقل هذا عرس المنفلت ، وإن مت على غير التوحيد فاعلم الناس بذلك حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة لئلا يلحقني الرياء بعد الوفاة . قال : وبم أعلم ذلك ؟ فذكر له علامة ، فرأى علامة التوحيد عند موته فاشترى السكر واللوز وفرقه .
شرح
بكماله ومن منعه منعه بكماله إذ كان التوحيد في نفسه لا يتبعض . ( وكان ) أبو محمد ( سهل ) التستري رحمه اللّه ( يقول : خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطوة ) وهمة ( وعند كل حركة ) يخافون البعد من اللّه تعالى ، ( وهم الذين وصفهم اللّه تعالى إذ قال ) : ويُؤْتُونَ ما آتَوْا ( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) ولفظ القوت : وهم الذين مدح اللّه وجلة قلوبهم . وقال أيضا : لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات كما يخاف السيئات . وقال أيضا : أعلى الخوف أن يخاف سبق علم اللّه تعالى فيه ويحذر أن يكون منه حدث خلاف السنّة يجره إلى الكفر . وقال أيضا . خوف التعظيم ميراث خوف السابقة . ( ولما احتضر سفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى ( جعل يبكي ويجزع فقيل له : يا أبا عبد اللّه عليك بالرجاء فإن عفو اللّه أعظم من ذنوبك . فقال : أو على ذنوبي أبكي لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى اللّه بأمثال الجبال من الخطايا ) . وقال مرة : ذنوبي أهون من هذا ورفع حبة من الأرض ، إنما أخاف أن أسلب التوحيد في آخر الوقت ، وقد كان رحمه اللّه أحد الخائفين كما سيأتي في الحكايات .
( وحكي عن بعض الخائفين ) ولفظ القوت : وحدثني إخواني عن بعض الصادقين وكان خائفا ( أنه أوصى بعض إخوانه ) فقال : ( إذا حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي ) فإذا عاينت فانظر إليّ ( فإن رأيتني مت على التوحيد فخذ جميع ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل البلد وقل : هذا عرس المتفلت ) الحاذق ، ( وإن مت على غير التوحيد فاعلم الناس ) أني مت على غير الإسلام ( حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة لئلا يلحقني الرياء بعد الموت ) فأكون قد خدعتهم حيا وميتا ( قال ) له صاحبه : ( وبم أعلم ذلك ؟ فذكر له علامة ) وهي أنه قال له : ضع أصبعك في كفي فإن أمسكتها وشددت عليها فاعلم أني قدمت على التوحيد ، وإن أرسلتها ونبذتها فاعلم أن حالي سيتة ففعل ، ( فرأى علامة التوحيد عند موته ) بأن قبض على أصبعه وشدّها فلم يخرجها من