تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
عنه دع عنك مناشدتك ربك فإنه واف بما وعدك ، فكان مقام الصدّيق رضي اللّه عنه مقام الثقة ، بوعد اللّه وكان مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقام الخوف من مكر اللّه وهو أتم لأنه لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار اللّه تعالى وخفايا أفعاله ومعاني صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر عنها بالمكر ، وما لأحد من البشر الوقوف على كنه صفات اللّه تعالى ، ومن عرف حقيقة المعرفة وقصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم خوفه لا محالة ، ولذلك قال المسيح صلّى اللّه عليه وسلم لما قيل له :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] ، وقال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
[ المائدة : 118 ] الآية ، فوض الأمر إلى المشيئة وأخرج نفسه بالكلية من البين ، لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء وإن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج عن حد المعقولات والمألوفات فلا يمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس ولا حسبان فضلا عن التحقيق والاستيقان وهذا هو الذي قطع قلوب العارفين ، إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك إن أهلكك فقد أهلك
شرح
اللّه عنه : « دع مناشدتك ربك فإنه واف لك بما وعدك ) قال العراقي : رواه البخاري من حديث ابن عباس بلفظ : « اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم » الحديث ( فكان مقام الصديق ) رضي اللّه عنه ( مقام الثقة بوعد اللّه ، وكان مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقام الخوف من مكر اللّه لأنّه لم يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار اللّه تعالى وخفايا أفعاله ومعاني صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر عنه بالمكر ، وما لأحد من البشر الوقوف على كنه صفات اللّه تعالى ، ومن عرف حقيقة المعرفة و ) عرف ( قصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم خوفه لا محالة ، ولذلك قال المسيح ) عيسى بن مريم ( صلّى اللّه عليه وسلم لما قيل له :أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد علم أنه لم يقله ، فلما عرض له بالقول فزع فخاف أن يكون قاله وإن اللّه يؤاخذه به إذ جعله سببا له (قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَوقال ) مثل هذا في يوم القيامة (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْالآية فوض الأمر إلى المشيئة ) لعزته وحكمته ( وأخرج نفسه بالكلية من البين لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء ) وأن اللّه يتحكم في خلقه كيف شاء من غير سبب منهم ، ( فإن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج عن حد المعقولات والمألوفات ، فلا يمكن الحكم عليها بقياس وحدس ) أي تخمين ( وحسبان ، فضلا عن التحقيق والإستيقان ، وهذا هو الذي قطع قلوب العارفين ) ، ولذلك لا يصلح أن يكشف حقيقة تفصيله في كتاب خشيه الإنكار ( إذ الطامة الكبرى هو