تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
فامتحن وعورض بجبريل في الهواء ، حتى قال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، فكان ذلك وفاء بحقيقة قوله حسبي اللّه ، فأخبر اللّه تعالى عنه فقال :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 37 ] أي بموجب قوله حسبي اللّه ، وبمثل هذا أخبر عن موسى صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال :
إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى * قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 45 - 46 ] ، ومع هذا لما ألقي السحرة سحرهم أوجس موسى في نفسه خيفة ؛ إذ لم يأمن مكر اللّه والتبس الأمر عليه حتى جدد عليه الأمن وقيل له :
لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
[ طه : 68 ] ولما ضعفت شوكة المسلمين يوم بدر قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك » ، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى
شرح
اللّه ، وكانت ) هذه القولة ( من الدعاوي العظام فامتحن وعورض بجبريل في الهواء حتى قال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ) : فأبت لنفسه حاجة كما هو مقتضى وصف الخلة ، ( فكان ذلك وفاء بمقتضى قوله : حسبي اللّه ) وصدق القول بالعمل ، ( فأخبر اللّه تعالى عنه فقال :وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّىأي بموجب قوله حسبي اللّه ) ولأن اللّه تعالى لا يدخل تحت الأحكام ولا يلزمه ما حكم به على الأنام ولا يختبر صدقه تعالى ، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق إن بدل الكلم هو بتبديل منه لأن أحكامه قائم به ، فله أن يبدل منه به ما شاء بما شاء وهو الصادق في الكلامين العادل في الحكمين الحاكم في الحالين ، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه ، لأنه قد جاوز العلوم والعقول التي هي أماكن للحدود من الأمر والنهي وفات الرسوم التي هو أواسط الأحكام والأقدار وفي مشاهدة ما ذكرنا علم دقيق من علوم التوحيد ومقام رفيع من أحوال الموحد ، ( وبمثل هذا ) المعنى ( أخبر عن ) كليمه ( موسى صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال :إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) يعني فرعون (قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرىومع هذا لما ألقى السحرة سحرهم أوجس موسى في نفسه خيفة ، إذ لم يأمن مكر اللّه والتباس الأمر عليه ) بأن يكون قد أسرّ عنه في غيبه وقد استأثر عن نفسه تعالى ما لم يظهره له في القول لمعرفته عليه السلام بخفي المكر وباطن الوصف ، ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور فخاف خوفا ثانيا ( حتى جدد عليه الأمن ) بحكم ثان ، ( وقيل له :لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) لا تخف إنك من الآمنين فاطمأن إلى القائل ، ولم يسكن إلى الإظهار الأول لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها ، ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم عليه الأحكام كما لا تعود عليه الأحكام ، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام ثم تعود على الحكومات أبدا ، ولأنه جلت قدرته لا يلزمه ما ألزم الخلق الذي هم تحت الحكم ولا يدخل تحت معيار العقل والعلم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . ( ولما ضعفت شوكة المسلمين يوم بدر قال صلّى اللّه عليه وسلم ) في دعائه : ( « اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك » فقال أبو بكر رضي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 445 | مرتضى الزبيدي