حتى نزلت الواقعة : إما خافضة قوما كانوا مرفوعين في الدنيا ، وإما رافعة قوما كانوا مخفوضين في الدنيا . وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة وانكشاف الخاتمة ، وهو قوله تعالى :
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
[ التكوير : 12 - 14 ] وفي عم يتساءلون :
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
[ النبأ :
40 ] الآية ، وقوله تعالى :
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
شرح
ظلمة » الحديث . وفيه : فلذلك أقول « جف القلم بما هو كائن » . ( وتمت السابقة حتى نزلت الواقعة إما خافضة قوما كانوا مرفوعين في الدنيا ، وإما رافعة قوما كانوا مخفوضين في الدنيا ) حين ظهرت الحقائق وكشفت عواقب الخلائف وفيهافَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍفهذا هو حق اليقين الحاقة ما الحاقة إذا وقعت الواقعة بمن حقت عليه الكلمة . ( وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة ) وهي خواتم المصير لمن أيقن ( وانكشاف الخاتمة ) وفيها تجلي معاني الغضب لمن عاين آخر ذلك ( وهو قوله تعالى :وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) هذا فصل الخطاب أي عند تسعير النيران واقتراب الجنان ، حينئذ يتبين للنفس ما أحضرت من شر يصلح له الجحيم وخير يصلح للنعيم ، ويعلم إذ ذاك من أي أهل الدارين يكون ، وفي أي المنزلين يحل ؟ فكم من قلوب قد تقطعت حسرات على الأبعاد من الجنان بعد اقترابها ، وكم من نفوس تصاعدت زفرات عند يقينها معاينة النيران أنها تصيبها ، وكم من أبصار ذليلة خاشعة لمشاهدة الأهوال ، وكم من عقول طاشت لمعاينة الزلزال . ( وفي عم يتساءلونيَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُالآية وقوله تعالىلا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً) وهذا الذي عزاه المصنف لبعض العلماء ساقه صاحب القوت وجها بقوله ، ولعل المشهور في هذا الحديث الذي صرح به العلماء أن المراد منه أن في هذه السور من أهوال يوم القيامة وتباين أحوال السعداء والأشقياء والأمر بالاستقامة كما أمر مما يليق تعالى مقامه الذي لا يمكن بشرا أن يتحمله ، ومن غير ذلك مما لا يستوعب بعضه إلا ديوان حافل ما يوجب استيلاء سلطان الخوف والحزن سيما على أتباعه وأمته بعظيم رأفته ورحمته لهم ودوام الفكر فيما يصلحهم وتتابع الغم مما ينوبهم أو يصدر عنهم واشتغال القلب والبدن بأحوالهم ومصالحهم الظاهرة والباطنة ، وهذا كله مستوجب لضعف القوى البدنية ، وضعفها مستلزم لضعف الحرارة الغريزية ، وبضعفها يسرع الشيب ويظهر قبل وقته ، ولكن لما كان عنده صلّى اللّه عليه وسلم من انشراح الصدر واتساع القلب وتوالي أنوار اليقين والقرب ما يسليه كل هم وحزن لم يقدر ذلك أن يستولي إلا على قدر يسير من شعره الشريف ليكون فيه مظهر الجلال والجمال ، وليتبين أن جماله صلّى اللّه عليه وسلم غالب على جلاله واللّه أعلم .