اليقين الذي هو عبارة عن قوة الإيمان باللّه تعالى ، وباليوم الآخر والجنة والنار ، وهذا اليقين بالضرورة يهيج الخوف من النار والرجاء للجنة والرجاء والخوف يقويان على الصبر ، فإن الجنة قد حفت بالمكاره فلا يصبر على تحملها إلا بقوّة الرجاء ، والنار قد حفت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلا بقوة الخوف ، ولذلك قال علي كرم اللّه وجهه : من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ثم يؤدي مقام الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر اللّه تعالى والفكر فيه على الدوام ، ويؤدي دوام الذكر إلى الأنس ودوام الفكر إلى كمال المعرفة ويؤدي كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ويتبعها مقام الرضا والتوكل وسائر المقامات ، فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدين ، وليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرجاء ، ولا بعدهما مقام سوى الصبر ، وبه المجاهدة والتجرد للّه ظاهرا وباطنا ، ولا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلا الهداية والمعرفة ، ولا مقام بعد المعرفة إلا
شرح
لأن أول مقامات الدين ) هو ( اليقين الذي هو عبارة عن قوة الايمان باللّه تعالى واليوم الآخر ) والجنة والنار ، وله درجات ومراتب قد تقدم ذكرها في كتاب العلم . ( وهذا اليقين بالضرورة يهيج الخوف من النار و ) يثير ( الرجاء للجنة ، والرجاء والخوف يقويان على الصبر فإن الجنة قد حفت بالمكاره ) أي شدائد الأمور مما تكرهها النفوس ( فلا يصبر على تحملها إلا بقوة الرجاء ، والنار قد حفت بالشهوات ) أي الملاذ النفسية من كل ما تميل إليه النفوس ( فلا يصبر على قمعها ) أي دفعها ومنعها ( إلا بقوة الخوف ، ولذلك قال علي كرم اللّه وجهه : من اشتاق إلى الجنة سلا ) وفي لفظ : تبتل ( عن الشهوات ) أي انقطع عنها ، ( ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ) كذا في القوت . وقد روي مرفوعا من طريقه بلفظ « من اشتاق إلى الجنة سابق إلى الخيرات ، ومن اشفق من النار لها عن الشهوات ، ومن ترقب الموت صبر عن اللذات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات » رواه البيهقي وتمام وابن عساكر وابن النجار . ( ثم يؤدي مقام الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر اللّه والفكر فيه على الدوام ) أي كل من الذكر والفكر من غير انقطاع بل يكون بإزائهما ، فإذا سئم من الذكر اشتغل بالمراقبة والتفكر ، ثم إذا أراد أن ينفصل عنه فليعد إلى الذكر حتى يثبت له الدوام ولا يتخلل بينهما الشيطان ( ويؤدي دوام الذكر إلى الانس ) باللّه تعالى ، ( ودوام الفكر ) يؤدي ( إلى كمال المعرفة ) باللّه تعالى ، ( ويؤدي كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ) وهو أعلى المقامات ، ( ويتبعها ) أي المحبة ( مقام الرضا والتوكل وسائر المقامات ) الآتي ذكرها . ( فهذا هو الترتيب في سلوك منازل ) السائرين ( في الدين ) وفي عروج مقامات الطائرين إليه ، ( فليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرجاء ، وليس بعدهما مقام سوى الصبر وبه المجاهدة والتجرد للّه ظاهرا وباطنا ، ولا مقام بعد المجاهدة