تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
والمقصود من العلوم والأعمال كلها معرفة اللّه تعالى حتى تثمر المعرفة المحبة ، فإن المصير إليه والقدوم بالموت عليه ، ومن قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبته ، ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه ، فمهما كان القلب الغالب عليه عند الموت حب الأهل والولد والمال والمسكن والعقار والرفقاء والأصحاب ، فهذا رجل محابه كلها في الدنيا ، فالدنيا جنته ، إذ الجنة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحاب ، فموته خروج من الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه ، ولا يخفى حال من يحال بينه وبين ما يشتهيه ، فإذا لم يكن له محبوب سوى اللّه تعالى وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه والدنيا وعلائقها شاغلة له عن المحبوب فالدنيا إذا سجنه ، لأن السجن عبارة عن البقعة المانعة للمحبوس عن الاسترواح إلى محابه ، فموته قدوم على محبوبه وخلاص من السجن ولا يخفى حال من أفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه بلا مانع ولا مكدر ، فهذا أول ما يلقاه كل من فارق الدنيا عقيب موته من الثواب والعقاب فضلا عما أعده اللّه لعباده الصالحين مما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر ، وفضلا عما أعده اللّه تعالى للذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ورضوا بها واطمأنوا إليها من الأنكال والسلاسل والأغلال
شرح
العلوم ) والمعارف ( والأعمال كلها معرفة اللّه تعالى ) وإليه يشير تفسير ابن عباس للعبادة بها ( حتى تثمر ) تلك المعرفة ( المحبة ) المحضة ( فإن المصير إليه والقدوم بالموت عليه و ) لا يخفى انه ( من قدم على محبوبه عظم سروره ) وذلك ( على قدر محبته ) من قبل . ( ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه ، فمهما كان الغالب على القلب عند الموت حب الأهل والمال والولد والمسكن والعقار والرفقاء والأصحاب ) ، وبالجملة كل ما يشغله عن اللّه تعالى ( فهذا رجل محابه كلها في الدنيا ، فالدنيا ) إذا ( جنته ) التي يتمتع بها ( إذ الجنة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحاب فموته خروج من الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه ، ولا يخفى حال من يحال بينه وبين ما يشتهيه ) فإنه يتكدر عيشه ولا يصفو خاطره ، ( فأما إذا لم يكن له محبوب سوى اللّه تعالى وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه فالدنيا وعلائقها شاغلة له عن المحبوب ، فالدنيا إذا سجنه إذ السجن عبارة عن البقعة المانعة للمحبوس عن الانسراح إلى محابه فموته قدوم على محبوبه وخلاص من السجن ، ولا يخفي حال من أفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه بلا مانع ولا مكدر ) وهذا هو معنى الخبر السابق ذكره « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » . ( فهذا أول ما يلقاه كل من فارق الدنيا عقب موته من الثواب والعقاب . فضلا عما أعد اللّه لعباده الصالحين مما لم تره عين ولا خطر على قلب بشر ) كما في خبر أبي هريرة ، ( وفضلا عما أعد اللّه للذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ورضوا بها واطمأنوا إليها من الأنكال والسلاسل والأغلال وضروب الخزي والنكال ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 430 | مرتضى الزبيدي