وقد قال يحيى بن معاذ : من عبد اللّه تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار ، ومن عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار ، ومن عبده بالخوف والرجاء استقام في محجة الأذكار . وقال مكحول الدمشقي : من عبد اللّه بالخوف فهو حروري ، ومن عبده بالرجاء فهو مرجىء ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد ، فإذا لا بدّ من الجمع بين هذه الأمور ، وغلبة الخوف هو الأصلح ولكن قبل الإشراف على الموت ، أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء وحسن الظن ، لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل ، وقد انقضى وقت العمل ، فالمشرف على الموت لا يقدر على العمل ثم لا يطيق أسباب الخوف ، فإن ذلك يقطع نياط قلبه ويعين على تعجيل موته ، وأما روح الرجاء فإنه يقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه ، ولا ينبغي أن يفارق أحد الدنيا إلا محبا للّه تعالى ليكون محبا للقاء اللّه تعالى ، فإن من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، والرجاء تقارنه المحبة ، فمن ارتجى كرمه فهو محبوب ،
شرح
( من عبد اللّه تعالى بمحض الخوف ) أي دون الرجاء ( غرق في بحار الأفكار ) إذ الخوف يحمله إلى كل واد ، ( ومن عبده بمحض الرجاء ) أي دون الخوف ( تاه في مفاوز الاغترار ، ومن عبده بالخوف والرجاء استقام في محجة الأذكار ) نقله صاحب القوت .
( وقال مكحول الدمشقي ) هكذا في سائر النسخ ولفظ القوت : وقال مكحول النسفي في معناه إلا أنه أفرط فيه : ( من عبد اللّه بالخوف فهو حروري ، ومن عبده بالرجاء فهو مرجيء ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ) كذا في النسخ ولفظ القوت : فهو جهمي أي يتجهم عليه بالمقال ويتجاوز الحد في الأفعال . ( ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد ) شبه هذه المقامات من معاني المقالات للمبالغة من طريق المعنى لا على التحقيق أي أنه إذا انفرد بحال منها لا بدّ وأن يخرج من معيار علم أو عن سنّة أو معروف أو معتاد مألوف ، فإذا جمعها فقد استقام على العلم والسنّة وهو وصف العالم العارف الظاهري الباطني . ( فإذا لا بدّ من الجمع بين هذه الأمور وغلبة الخوف هو الأصلح ، ولكن ) عن صحة طواعيته وذلك إلى ( قبل الإشراف على الموت ، أما عند الموت ) وشدة المرض ( فالأصلح ) في حقه تغليب جانب ( الرجاء وحسن الظن ) باللّه تعالى ( لأن الخوف ) كما سبق ( جار مجرى السوط الباعث على العمل ) بالجوارح ، ( وقد انقضى وقت العمل فالمشرف على الموت لا يقدر على العمل ) ولا يتأتى منه ، ( ثم ) هو لا ( يطيق أسباب الخوف ، فإن ذلك يقطع نياط قلبه ) وهو بكسر النون عرق معلق به القلب ( ويعين على تعجيل موته . وأما روح الرجاء فإنه يقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه ، ولا ينبغي أن يفارق أحد الدنيا إلا محبا للّه تعالى ليكون محبا للقاء اللّه تعالى فإن من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ) ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه كما ورد ذلك في الخبر وتقدم . ( والرجاء تقارنه المحبة فمن ارتجى كرمه فهو محبوب ، والمقصود من