رضي اللّه عنه لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل . وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم والتساوي ، فمثل عمر رضي اللّه عنه ينبغي أن يستوي خوفه ورجاؤه ؛ فأما العاصي إذا ظن أنه الرجل الذي استثنى من الذين أمروا بدخول النار كان ذلك دليلا على اغتراره .
فإن قلت : مثل عمر رضي اللّه عنه لا ينبغي أن يتساوى خوفه ورجاؤه بل ينبغي أن يغلب رجاؤه كما سبق في أول كتاب الرجاء ، وأن قوّته ينبغي أن تكون بحسب قوّة أسبابه كما مثل بالزرع والبذر ، ومعلوم أن بث البذر الصحيح في أرض نقية وواظب على
شرح
رحمته وارجه رجاء لا تأمن مكره . وفي لفظ آخر : وارجه رجاء أشد من خوفك فقال : وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد ؟ قال : أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر . وفي القوت : وكان علي رضي اللّه عنه يقول : عليكم بالنمط الأوسط يرجع إليه العالي ويرتفع عنه الداني ، وهذا قول فصل غير شطط ولا هزل وهو طريق أهل السنّة ومذهب أولى المعرفة فصدق الرجاء واعتدال الخوف به من حقيقة العلم باللّه والمؤمن حقا هو المعتدل بين الرجاء والخوف ، ( ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه : لو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل ، ولو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل ) . رواه أبو نعيم في الحلية عن محمد بن معمر ، حدثنا أبو شعيب عبد اللّه بن الحسن الحراني ، حدثنا يحيى بن عبد اللّه البابلتي ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا يحيى بن كثير عن عمر بن الخطاب قال : لو نادى مناد من السماء أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا هو ، ولو نادى مناد أيها الناس إنكم داخلون النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا هو ، ( وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ، ولكن على سبيل التقاوم والتساوي ) لأنهما لا يبنيان على سابقة ولا وسيلة بل على كمال العلم والإرادة بخفي المكر والألطاف والشك فيما يصدر عنهما متساو فلا يغلب أحدهما الآخر ، ( فمثل عمر رضي اللّه عنه ينبغي أن يستوي خوفه ورجاؤه ) .
( فإن قلت : مثل عمر رضي اللّه عنه ينبغي أن يساوي خوفه رجاءه ، بل ينبغي أن يغلب رجاؤه كما سبق أوّل كتاب الرجاء ، وأن قوّته ينبغي أن تكون بحسب قوّة أسبابه كما مثل بالبذر والزرع ) ومرّ في كتاب الرجاء . ( ومعلوم أن من بثّ البذر الصحيح ) عن التسويس ( في أرض نقية ) صالحة ( وواظب على تعهدها ) ومراعاتها ، ( وجاء بشروط