بيان أن الأفضل هو غلبة الخوف أو غلبة الرجاء أو اعتدالهما :
اعلم أنّ الأخبار في فضل الخوف والرجاء قد كثرت وربما ينظر الناظر إليهما ، فيعتريه شك في أن الأفضل أيهما ؟ وقول القائل : الخوف أفضل أم الرجاء ؟ سؤال فاسد يضاهي قول القائل : الخبز أفضل أم الماء ؟ وجوابه أن يقال : الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان ، فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب ؛ فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل ، وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل ، وإن استويا فهما متساويان ، وهذا لأنّ كل ما يراد لمقصود ففضله يظهر بالإضافة إلى مقصوده لا إلى نفسه ، والخوف والرجاء دواءان يداوى بهما القلوب ، ففضلهما بحسب الداء الموجود ؛ فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر اللّه تعالى والاغترار به فالخوف أفضل ، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة اللّه ، فالرجاء أفضل ، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل ، ويجوز أن يقال مطلقا ، الخوف أفضل على التأويل الذي يقال فيه الخبز أفضل من السكنجبين ،
شرح
القلب دوام المراقبة في السر والعلانية . وقيل : الخوف قوّة العلم بمجاري الأحكام . وقيل : الخوف حركة القلب بجلال الرب . وقال الحسين : من خاف من شيء سوى اللّه أو رجا سواه أغلق عليه أبواب كل شيء وسلط عليه المخافة وحجب بسبعين حجابا أيسره الشك ، وإن أوجب شدة خوفهم فكرتهم في العواقب وخشية تغير أحوالهم . قال اللّه تعالى :وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[ الزمر : 47 ] .