رحمه اللّه يقول للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة ؛ احفظوا عقولكم فإنه لم يكن للّه تعالى ولي ناقص العقل .
شرح
جاوز الخوف هذه الأوصاف فقد خرج عن حدّه وجاوز قدره ، فحينئذ يجب معالجته بما يزيله ، ثم إن لم يعصم العبد من مجاوزة حد الخوف خرج به إلى أحد ثلاثة معان .
خيرها أن يسري إلى النفس فيحرقها فيتلف العبد .
وأوسطها : أن يعلو إلى الدماغ فتنحل عقدة العقل لذوبه فتضطرب الطبائع لانحلال عقدة العقل ، ثم تختلط المزاجات فيكون منه الوسواس والهذيان والوله والتره وهذا مكروه عند العلماء وعاقبته غير محمودة ، وقد أصاب ذلك بعض المحبين في مقام المحبة فانطبق عليهم فولهوا بوجده ، ومنهم من فزع ذلك من قبله فسرى عنهم فنطقوا بعلم وصفه ، ( ولذلك كان ) أبو محمد ( سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى ( يقول للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة ) من أهل عبادان :
( احفظوا عقولكم ) باستعمال الدسم ، ( فإنه لم يكن ولي اللّه ناقص العقل ) نقله صاحب القوت .
وقد ذكر في كتاب رياضة النفس ، ويؤيده ما اشتهر على لسان العامة ما اتخذ اللّه وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه .
قال صاحب القوت : وحدثني بعض إخواني قال : كنا حول أبي الحسن بن سالم ، فدخل شاب عريان فوقف على الحلقة يهذي فزجرناه نطرده ، فقال لنا الشيخ : دعوه حتى يقضي ما في نفسه .
قال : وكان يتكلم بوساوس من معاني التوحيد وبهذيان مختلط من علوم المعارف إلى أن فتر وسكن ثم انصرف ، فقال لنا أبو الحسن : لا بارك اللّه في العلماء السوء ، ثم قال : لم يكن في أصحابنا أحسن عقلا ولا أكثر تعبدا ولا اجتهادا من هذا الشاب ، وكنت أنهاه عن العسف بنفسه والحمل عليها وآمره بأكل الدسم والحلواء فكان مستقيم الأمر ، ففارقنا وذهب إلى أهل عبادان فقالوا له : إن ابن سالم قد ركن إلى الدنيا وترك العبادة والاجتهاد وأمروه بالجوع الدائم والطيّ وترك الدسم والحلاوة حتى أحرق دماغه وزال عقله فذهب الحال وبطلت العبادة .
والمعنى الثالث : من مذموم الخوف وهو شرها في المجاورة أن يعظم ويقوى فيذهب الرجاء إذ لم يواجه بعلم الاخلاق من الجود والكرم والإفضال وقديم الاحسان وخفي الامتنان ، فهذه المعاني بها تعديل المقام من فرط الاهتمام وترويح الحال من كروب الأثقال ، فلا يساعده القدر بذلك فيخرجه وجده إلى القنوط من رحمة اللّه ويعطف به همه على الإياس من روح اللّه وتوقعه شهادته على الهرب من قرب اللّه دخلت عليهم المشاهدة من قبل المواجهة بالانصاف والعدل بمعيار العقل واتلاف الحد ، فجاوزت بهم العلم باخلاقه المرجوّة من الكرم وخفي الألطاف ، فبعدت بهم الحدود من قبل قوّة نظرهم إلى الاكتساب والحكم على الحاكم الراحم بعقولهم وعلومهم من غير تفويض منهم إلى مشيئة ولا استسلام ، فحجبوا بذلك على صحة ما ذكرناه : إن أكثر هذه كانت في البصريين والعسكريين وأهل عبادان ، وكان مذهبهم القدر فوقعوا في غاية الخطر ، واللّه الموفق .