درجاته أن يثمر درجات الصديقين ، وهو أن يسلب الظاهر والباطن عما سوى اللّه تعالى حتى لا يبقى لغير اللّه فيه متسع ؛ فهذا أقصى ما يحمد منه ، وذلك مع بقاء الصحة والعقل ؛ فإن جاوز هذا إلى إزالة العقل والصحة فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه ؛ ولو كان محمودا لما وجب علاجه بأسباب الرجاء وبغيره حتى يزول ، ولذلك كان سهل
شرح
الشهوات فله درجة فإن أثمر الورع فهو أعلى ) لعلو مرتبة الورع على العفة ، ( وأقصى درجاته ) أي الخوف ( أن يثمر درجات الصديقين ، وهو أن ) يستولي على القلب حتى ( يسلب الظاهر والباطن عما سوى اللّه تعالى حتى لا يبقى لغير اللّه فيه متسع ، فهذا أقصى ما يحمد منه ) لأن الغاية المقصودة أن يموت العبد محبا للّه تعالى ، ولا تحصل المحبة إلا بالذكر والفكر ، ولا يحصلان إلا بفراغ القلب عن شواغل الدنيا وعلائقها ولا يكف عنها إلا الخوف ، فإذا عرفت منزلته من الدين فلا تتعداها ، ( وذلك مع بقاء الصحة والعقل ) .
وجملة القول في تفصيل هذه المخاوف أن للخوف سبع مفائض يفيض إليه من القلب ، فإلى أي مفيض فاض من القلب إليه أتلف صاحبه به إلا ما يستثني ، فقد يفيض الخوف من القلب إلى المرارة فيخرقها وهؤلاء هم الذين يموتون من الغشي وهم ضعفاء العمال ، وقد يطير الخوف من القلب إلى الدماغ فيخرق العقل فيتيه العبد فيذهب الحال ويسقط المقام وقد يحل الخوف الرئة فيثقبها فيذهب الأكل والشرب حتى يسل الجسم وينشف الدم وهذا لأهل الجوع والطيّ والإصفرار ، وقد يسكن الخوف الكبد فيورث الكمد ويحدث الفكر الطويل والسهر وهذا من أفضلها ، وفي هذا الخوف العلم والمشاهدة وهو من خوف العالمين ، وقد يقدح الخوف في الفرائص وهي لحمة الكتف ومنه يكون الاضطراب والارتعاش واختلاف الحركة ، وقد يبدد الخوف من القلب مغشى العقل فيمحى سلطانه كقهر سلطان القدرة محو الشمس إذا برزت ضوء القمر البادي الذي يبدو على السر من خزائن الملكوت فيضعف لحمة العقل ويضطرب الجسم لضعفه فلا يتمكن العبد من القرار لضعف صفته . وهؤلاء أشبه بالفضل وأدخل في العلم ، وقد سلك في هذه الطريق أفاضل أهل القلوب وهم من التابعين كثير منهم : الربيع بن خيثم ، وأويس القرني ، وزرارة بن أوفى ونظراؤهم ، ولم ينكر هذا عليهم الصحابة ممن عرفه مثل : عمر ، وابن مسعود ، وحذيفة رضي اللّه عنهم ، وقد كان عمر يغشى عليه حتى يقع ويضطرب كالبعير ، وكان سعيد بن جريج من خيار الصحابة ومن أمراء الأجناد وكان يغشى عليه . وقد يفيض الخوف من القلب إلى النفس فيحرق الشهوات ويطفئ شعل الهوى وهذا أحمد المخاوف وأعلاها ، وهؤلاء أفضل الخائفين وأرفعهم مقاما وهو خوف النبيين والصديقين وخصوص الشهداء ، وليس فوق هذا وصف يغبط عليه خائف ولا يفرح به عارف .
( فإن جاوز هذا ) عن حدّ الاعتدال ( إلى إزالة العقل والصحة فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه ، ولو كان محمودا لما وجب علاجه بأسباب الرجاء وبغيره حتى يزول ) أي إن