تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
الشهوات خاصة ، فإذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ويتجدّد له بسبب الكف اسم العفة ، وهو كف عن مقتضى الشهوة وأعلى منه الورع فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور ، وأعلى منه التقوى فإنه اسم للكف عن المحظور والشبهة جميعا ، ووراءه اسم الصديق والمقرّب ، وتجري الرتبة الآخرة مما قبلها مجرى الأخص من الأعم ، فإذا ذكرت الأخص فقد ذكرت الكل ، كما أنك تقول : الإنسان إما عربي وإما عجمي ، والعربي إما
شرح
العفة ، فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة ، فإذا الخوف يؤثر الجوارح بالكف والإقدام ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة وهو كف عن مقتضى الشهوة ، وأعلى منه الورع فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور ، وأعلى منه التقوى فإنه اسم للكف عن المحظور والشبهة جميعا ووراءه اسم الصديق والمقرب ، وتجري الرتبة الآخرة مما قبلها مجرى الأخص من الأعم ، فإذا ذكرت الأخص فقد ذكرت الكل ) . وقال صاحب القوت : الخوف اسم جامع لمقامات المتقين ، ثم يشتمل على أهل طبقات خمس في كل طبقة ثلاث مقامات . فالمقام الأول : من الخوف وهو التقوى ، وفي هذا المقام المتقون والصالحون والعاملون ، والمقام الثاني : هو الحذر وفي هذا المقام الزاهدون والورعون والخاشعون . والمقام الثالث : هو الخشية وفي هذا طبقات العالمين والعابدين والمحسنين . والمقام الرابع : الوجل وهذا للذاكرين والمخبتين والعارفين . والمقام الخامس : وهو الإشفاق وهو للصديقين والشاهدين والمحبين وخصوص المقربين ، وخوف هؤلاء عن معرفة الصفات لأجل الموصوف لا عن مشاهدة الإكتساب لأجل العقوبات . وقال في موضع آخر : إن الخائف بوصف ما غلب عليه من الحال عما قوي عليه من الشهادة ، ويندرج الرجاء في مقامه فيكون الرجاء له مشهودا والخوف منه وجدا ، ويوصف الراجي بما قوي عليه من الحال عن غلبة شهادته ، وينطوي الخوف في مقامه فيصير الخوف له علما والرجاء له وجدا ، ولكنه للمخوف تعالى فيتناهى الخوف ولا نهاية للمرجوّ فينقضي منه الرجاء ، فأما الشهيد الموقن العالم المقرب فبالحالين جميعا يوصف مع اعتدالهما ، وبالوصفين جميعا يعرف مع استوائهما ، ثم يغلب عليه الوصف التام والحال الكامل من القيام بشهادة التوحيد والتحقيق بحق المعرفة لموجب المزيد ، فإذا عرف به اندرج الوصفان فيه فيقال : صديق لأنه تحقق بالصدق في جميع معانيه ، فأغنى من أن يقال مخلص ، ثم يقال : عارف لأنه قد رسخ في العلم رسوخ الجبل فكفى أن يقال صادق ، ثم يقال : مقرب لأنه أشهد القرب فاقترب فلم يحتج أن يقال عالم ، وهذه أسماء الكمال وصفات التمام لا يفتقر إلى ذكر حال ولا يوصف بصفة مقال كما يقال في غيره من ذكر الأحوال خائف أو راج لوجودهما فيه بالكف واعتدالهما عنده بالسواء ، لأن الخوف والرجاء قد فاضا عليه ثم عاصا فيه ، فإذا قلت عارف أو مقرب أو صديق فقد دخل فيه حال محب ووصف خائف ومقام راج ونعت عالم وسمة عامل لا محالة . ( كما أنك تقول ) في تعالي الأنساب واندراجها في عوالي الأحساب : ( الإنسان إما عربي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 390 | مرتضى الزبيدي