يَسْأَمُونَ
[ الأنبياء : 23 ] تكون قوّة خوفه ؛ فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ؛ ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أخوفكم للّه » ، وكذلك قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ، ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات . أما في البدن فبالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء ، وقد تنشق به المرارة فيفضي إلى الموت ، أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل ، أو يقوى فيورث القنوط واليأس . وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل ، ولذلك قيل : ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه .
وقال أبو القاسم الحكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف اللّه هرب إليه . وقيل
شرح
سردناه ، ( وإنهلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَتكون قوة خوفه ) ومن نقصت معرفته فيهما يضعف خوفه ( فأخوف الناس لربهم أعرفهم بنفسه وبربه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أخوفكم للّه » ) قال العراقي : رواه البخاري من حديث أنس : « واللّه إني لأخشاكم للّه واتقاكم له » .
وللشيخين من حديث عائشة : « واللّه لأنا أعلمهم باللّه وأشدهم له خشية » انتهى .
قلت : وروى أحمد من حديث رجل من الأنصار : « أنا أتقاكم للّه وأعلمكم بحدود اللّه » .
( ولذلك قال اللّه تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) وهم العارفون بأنفسهم وبربهم ، ( ثم إذا كملت المعرفة أورثت حالة الخوف واحتراق القلب ثم تفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات . أما في البدن فبالنحول والصفار ) مع الكدرة ( والغشية والزعقة والبكاء وقد ) يغلب ذلك عليه حتى ( تنشق به المرارة فتفضي إلى الموت أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل ) ويصير لا يعي ، ( أو يقوى فيورث القنوط والياس . وأما في الجوارح : فبكفها عن المعاصي وبقيدها في الطاعات تلافيا ) أي تداركا ( لما فرط ) منه ( واستعداده للمستقبل ، ولذلك قيل : الخائف من يبكي ويمسح عينيه ) ويتألم على حاله وما هو فيه من فساد دينه ، ( بل ) الخائف ( من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه ) أي بسببه ، ولفظ القشيري في الرسالة ، وقيل : ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعذب عليه . انتهى . فالخوف المحمود ما صان العبد عن الإخلال بشيء من المأمورات أو الوقوع في شيء من المنهيات .
( وقال أبو القاسم الحكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف اللّه هرب إليه ) نقله القشيري في الرسالة ، والحكيم هذا هو أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم السمرقندي ، ولي قضاء سمرقند مدة ودونت حكمته وانتشر في الأرض ذكره ، روى عنه أبو جعفر بن منيب السمرقندي وغيره ، ومعنى قوله : إن الخوف حقيقة إنما يكون من اللّه لأنه الفاعل