تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
للمخوّف منه ، كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق فإن الماء يخاف لأنه بطبعه مجبول على السيلان والإغراق ، وكذا النار على الإحراق ؛ فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألمه ، وذلك الإحراق هو الخوف من اللّه تعالى تارة يكون لمعرفة اللّه تعالى ومعرفة صفاته ، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع ، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي ، وتارة يكون بهما جميعا . وبحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال اللّه تعالى واستغنائه وأنه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
شرح
بالاختيار ، وقد يكون من صفة جبلية للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق فإن الماء يخاف ) منه ( لأنه بطبعه مجبول على السيلان والإغراق ، وكذا النار ) مجبولة بطبعها ( على الإحراق ، فالعلم بأسباب المكروه وهو السبب الباعث المثير لاحتراق القلب وتألمه ) وانزعاجه ، ( وذلك الاحتراق هو الخوف . فكذا الخوف من اللّه تعالى تارة يكون لمعرفة اللّه تعالى ومعرفة صفاته ) القديمة من العلم والإرادة والقدرة والكلام . اما العلم ؛ فالعلم بالسعيد والشقي وإنه في ذلك على أتم أنواع الكمال ، وأما الإرادة فبتخصيصها ما كشفه العلم من الأسعاد والاشقاء ، وأما القدرة فإيجادها نفس الاسعاد والأشقاء في الوقت الذي خصصته الإرادة من غير تقدم ولا تأخر ، وأما الكلام فاخباره إيانا بالأسباب المسعدة والأسباب المشقية والأسباب منها ما اطلع عليه العباد من أن الطاعة مسعدة وأن المعصية مشقية ، ومنها ما خفي فلا اطلاع لأحد عليه ، وذلك لخفي المكر والألطاف الموجبات للتقريب والأبعاد ، فهذه أبواب من الإيمان يجب التصديق بها كلها ، ( و ) مما يجب عليه في معرفته في توحيد الأفعال ( أنه ) تعالى ( لو أهلك العالمين ) جميعا ( لم يبال ولم يمنعه مانع ) لوحدة ذاته ، ففي الحديث : « لما خلق اللّه آدم ومسح على ظهره فاستخرج منه ذريته فقبض قبضة فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقبض أخرى فقال هؤلاء في النار ولا أبالي » . ( وتارة يكون ) الخوف ( لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي ) أي ارتكابها وملابستها ، وذلك يستدعي أن يعرف أولا أن كل ما سوى اللّه تعالى قابل للإهلاك والإتلاف والعقاب لما تقدمه من نقص العدم وما لحقه بعد الإيجاد من نقص الافتقار إلى اللّه تعالى ، وكيف لا وذات الإنسان أضعف ذوات العالم كله . الكلمة الطيبة تنعش قلبه وقرصة البقة تزعج بدنه ، وليس فيه جزء ثالث . فإذا عرف العبد هذا أحس بذله وعجزه وقبوله تأثر بالمحقرات ، فكيف يقهر جبار السماوات ؟ ثم علمه أن لسيده عليه نعما تترى ظاهرة وباطنة عقلية وحسية ، ثم علمه بكثرة جنايته على منهاج سيده وشريعته ، وأن النعم قابلة السلب والذهاب والجنايات مرتب عليها العذاب هذه معرفته بنفسه في هذا الباب وفي باب علاج الكبر ، فإن لكل باب معرفة تناسبه والإيمان بالاعتراف بذل العبودية وكثرة النعم واستحقاق لعقوبة على الجنايات واجب وهو فرض عين ، ( وتارة يكون ) الخوف ( بهما جميعا وبحسب معرفته بعيوب نفسه ) على ما ذكرناه ( ومعرفته بجلال اللّه تعالى وتعاليه واستغنائه ) على ما