تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
مشاهدا لجمال الحق على الدوام : لم يبق له التفات إلى المستقبل فلم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء فإنهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال : الخوف حجاب بين اللّه وبين العبد وقال أيضا : إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاه ولا لخوف ، وبالجملة فالمحب
شرح
ذلك . وحقيقة الخشوع سكون القلب والجوارح وعدم حركتهما لما عاين القلب من عظيم أو مفزع ، وإذا عرفت هذه الحقائق فاعلم أن ( من انس باللّه وملك الحق قلبه ) بأن لم يبق فيه سواه ( وصار ابن وقته ) بل وأبا وقته ( مشاهدا لجمال الحق على الدوام لم يبق له التفات إلى المستقبل ) من الأيام ، ( فلم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء ، فإنهما ) كما قال الواسطي : ( زمامان ) مستوليان ( يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها ) أي سكونها إلى حالتها واستحسانها ما هي عليه من طاعتها أو جزعها أو يأسها من فضل ربها عند مخالفتها ، فهما يصدانها عن ذلك لأنها إن استحسنت أحوالها وركنت إلى أعمالها زجرها الخوف ، وإن يئست من فضل ربها وقنطت لسوء حالها جذبها الرجاء للسلامة . ولفظ قول الواسطي : زمامان على النفوس لئلا تخرج إلى رعوناتها كذا في الرسالة ، ( وإلى هذا أشار ) أبو الحسن بنان بن محمد الحمال ( الواسطي ) نزيل مصر والمتوفى بها سنة عشر وثلاثمائة ، وكان كبير الشأن صاحب الكرامات رحمه اللّه تعالى ( حيث قال : الخوف حجاب بين اللّه وبين العبد ) قال القشيري : وهذا اللفظ فيه اشكال أي لان الخوف مطلوب فكيف يكون حجابا بين الخائف وربه معناه أن الخائف متطلع لوقت ثان ، وأبناء الوقت لا تطلع لهم في المستقبل وحسنات الأبرار سيئات المقربين انتهى فعدوا التطلع لوقت ثان حجابا وهفوة لأن تطلع العبد إلى غير وقته تفرقة واشتغاله بوقته جمع ، واعترضه بعضهم بأن ذلك لا يدل على تفرقة خارجة عن مقام الخوف لأن متعلق كل مقام من ضرورة التخلق به ملاحظة فهو جمع لا تفرقة قال : والأولى أن يقال : العبد إذا وقف وسكن مع حالته في الخوف استحسن مقامه فيه ، وكونه استعان به على خلاصه من المكروهات ونشط به في الطاعات ، فوقوفه معه مع استحسانه له حجاب بينه وبين ربه بمعنى أنه منعه من انتقاله إلى ما هو أعلى منه وأقرب إلى ربه . ( وقال ) الواسطي ( أيضا : إذا ظهر الحق على السرائر ) بأن أظهر اللّه لصاحبها من جلاله وجماله ما شغله عن إحساسه بنفسه فضلا عن غيره من المخلوقات ( لا يبقى فيها ) أي في تلك السرائر ( فضلة ) من الإحسان ( لرجاء ولا خوف ) نقله القشيري ، ويؤيده ظاهر قوله تعالى :أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[ يونس : 62 ] هذا بالنسبة إلى الخواص الكرام ، وأما بالنسبة إلى الصلحاء من العوام ، فمعناه لا خوف عليهم بلحوق العقاب ولا هم يحزنون بفوت الثواب في العقبى : قال القشيري بعد أن نقل كلام الواسطي السابق : وهذا فيه إشكال أي على من لم يعرف اصطلاح القوم ، لأن الخوف والرجاء مطلوبان ، فكيف يثني بفقدهما ؟ وجوابه : أن معناه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 384 | مرتضى الزبيدي