تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
فهذه هي الأسباب التي بها يجلب روح الرجاء إلى قلوب الخائفين والآيسين ، فأما الحمقى المغرورون فلا ينبغي أن يسمعوا شيئا من ذلك ، بل يسمعون ما سنورده في أسباب الخوف فإن أكثر الناس لا يصلح إلا على الخوف ، كالعبد السوء والصبي العرم لا يستقيم إلا بالسوط والعصا وإظهار الخشونة في الكلام . وأما ضدّ ذلك فيسدّ عليهم باب الصلاح في الدين والدنيا .
شرح
الشاب عاد إلى فساده فنفي من المحلة فدق عليها الباب وسألها عن حال الشاب ، فخرجت العجوز وقالت : إنه مات فسألها عن حاله ، فقالت : لما قرب أجله قال لي : لا تخبري الجيران بموتي ، فلقد آذيتهم فإنهم سيشتموني ولا يحضرون جنازتي ، فإذا دفنتيني فهذا خاتم لي مكتوب عليه « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فادفنيه معي ، فإذا فرغت من دفني تشفعي لي إلى ربي . قالت : ففعلت وصيته ، فلما انصرفت عن رأس قبره سمعت صوته يقول : انصرفي يا أماه فقد قدمت على رب كريم . انتهى كلام القشيري ، ولنعد إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى : ( فهذه هي الأسباب التي بها يجلب روح الرجاء إلى قلوب الخائفين والآيسين ، وأما الحمقى المغرورون ، فلا ينبغي أن يسمعوا شيئا من ذلك ) فإنها تزيدهم اغترارا باللّه ، ( بل يسمعون ما سنورده في أسباب الخوف ، فإن أكثر الناس لا يصلح إلا على الخوف كالعبد السوء والصبي العرم ) أي النشيط ( لا يستقيم إلا بالسوط والعصا وإظهار الخشونة في الكلام ) ولفظ القوت : وأكثر النفوس لا تصلح إلا على الخوف ، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا يواجهون بالسيف صلتا ، ( وأما ضد ذلك فيسد عليهم باب الصلاح في الدنيا والدين ) نسأله تعالى التوفيق . فصل

في بيان لواحق الرجاء :

اعلم أن من لواحق الرجاء الرغبة ، ولنبسط الكلام في الرغبة . اعلم أنه لما كانت حقيقة الرجاء تعلق القلب بمأمول يحصل في الاستقبال بعد جريان أسبابه كانت الرغبة استيلاء هذا الحال على الراجي حتى كأنه يشاهد بها المأمول ، فالرغبة كمال الرجاء ومنتهى حقيقته وهي تعلقه بضد كل ما يذكر من المخاوف في كتاب الخوف ، ولا تزال مصحوبة لك ما دام لك حظ واختيار ، فإذا ارتقيت عن ذلك بالفناء بالتوحيد فحينئذ لا رغبة ولا رهبة إلى أن ترجع إلى بشريتك وانسانيتك ، فافهم ذلك الكلام على البسط . اعلم أن القلوب كما تنقبض بالخوف تنبسط بروح الرجاء ، وهذا يدل على فضيلة الرجاء على الخوف كما سيأتي الكلام عليه ، لأن القلوب إذا انبسطت انشرحت وإذا انشرحت انفتح لها طرق الهدى . قال اللّه تعالى :أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ[ الزمر : 22 ] فيهدي اللّه بذلك النور إلى حضرته فيبقى مبسوطا لديه مستورا حاله عن الخلق برداء العلم وجلباب التقوى ، فأعزز بهذا المقام ما أجله ، وباللّه التوفيق .