شرح
وقال القشيري في الرسالة : قال اللّه تعالى :مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ[ العنكبوت : 5 ] وأسند عن العلاء بن زيد قال : دخلت على مالك بن دينار ، فرأيت عنده شهر بن حوشب ، فلما خرجنا من عنده قلت لشهر : يرحمك اللّه زوّدني زوّدك اللّه . فقال نعم حدثتني عمتي أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، عن جبريل عليه السلام قال : « قال ربكم عز وجل عبدي ما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئا غفرت لك ما كان منك ، ولو استقبلتنى بملء الأرض خطابا وذنوبا استقبلتك بملئهن مغفرة فاغفر لك ولا أبالي » . وتكلموا في الرجاء فقال شاه الكرماني : علامة الرجاء حسن الطاعة ، وقيل : الرجاء هو ثقة الجود من القديم ، وقيل : هو النظر إلى سعة رحمة اللّه تعالى ، وسئل أحمد بن عاصم الأنطاكي : ما علامة الرجاء في العبد ؟ قال : أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من اللّه عليه في الدنيا ، وتمام عفوه في الآخرة .
وقال أبو عبد اللّه بن خفيف : الرجاء استبشار بوجود فضله ، وقيل : ارتياح القلوب لرؤية كرم المرجوّ المحبوب ، وقيل : هو رؤية الجلال بعين الجمال ، وقيل : هو قرب القلب من ملاطفة الرب ، وقيل : سرور الفؤاد بحسن المعاد . وقال يحيى بن معاذ : إلهي أحلى العطايا في قلبي رجاؤك ، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك ، وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك . وكلموا ذا النون المصري وهو في النزع فقال : لا تشغلوني فقد تعجبت من كثرة لطف اللّه تعالى معي . وأسند عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه تعالى ليضحك من يأس العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم » فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه أو يضحك ربنا عز وجل ؟
قال : « والذي نفسي بيده إنه ليضحك » فقال : لا يعدمنا خيرا إذا ضحك . ورؤي مالك بن دينار في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : قدمت على ربي بذنوب كثيرة محاها عني حسن ظني باللّه تعالى . وقيل : كان ابن المبارك يقاتل علجا مرة فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فأمهله ، فلما سجد للشمس أراد ابن المبارك أن يضربه بالسيف ، فسمع من الهواء قائلا يقول :وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا[ الإسراء : 34 ] فأمسك ، فلما سلم المجوسي قال : لم أمسكت عما هممت به ؟ فذكر له ما سمع ، فقال المجوسي : نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوّه وأسلم وحسن إسلامه .
وقيل : إنما أوقعهم في الذنب حين سمى نفسه عفوّا . وقيل : لو قال لا أغفر الذنوب لم يذنب مسلم قط ، ولكنه لما قالوَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ] طمعوا في مغفرته . وقيل : حج رياح القيسي حجات كثيرة فقال يوما وقد وقف تحت الميزاب ، إلهي وهبت من حجاتي كذا وكذا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعشرة من أصحابه العشرة واثنتين من والدي والباقي من المسلمين ولم يحبس شيئا لنفسه ، فسمع هاتفا يقول : يا هذا تتسخى علينا لاغفرن لك ولأبويك ولمن شهد شهادة الحق . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : مرّ أبو عمرو البيكندي يوما بسكة فرأى قوما أرادوا إخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكي فقيل : إنها أمه فرحمها أبو عمرو فتشفع له إليهم وقال : هبوه مني في هذه المرة ، فإن عاد إلى فساده فشأنكم وإياه فوهبوه منه ، فمضى أبو عمرو فلما كان بعد أيام اجتاز بتلك السكة ، فسمع بكاء العجوز من وراء ذلك الباب فقال في نفسه : لعل