شرح
الخوف مرتبط بالرجاء ، فمن تحقق بالرجاء صارعه الخوف أن يقطع به دون ما رجا . وقال أهل العربية في قوله تعالى :قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ[ الجاثية : 14 ] أي الذين لا يخافون عقوبات اللّه تعالى ، فإذا كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا يرجو ، فكيف يكون عفوه وفضله على من رجوه ؟ وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى :وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ[ النساء : 104 ] أي تخافون منه ما لا يخافون ، فلو لا أنهما عند العلماء كشيء واحد ما فسر أحدهما بالآخر . ومن الرجاء الانس باللّه تعالى في الخلوات ، ومن الانس به الانس بالعلماء والتقرب إلى الأولياء وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير وسعة الصدور والروح عندهم ، ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى لوجود حلاوة الأعمال والمسارعة إليها والحث لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها .
ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال وحسن الاصغاء إلى محادثة القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في العفو الجميل ومنال الفضل الجزيل ، وقال بعض العارفين : للتوحيد نور وللشرك نار ، ونور التوحيد أحرق لسان الموحدين من نار الشرك لحسنات المشرك ، وقد كان يحيى بن معاذ يقول في مقامات الرجاء : إذا كان توحيد ساعة يحبط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ما ذا يصنع بالذنوب ؟ وقد قال سهل : لا يصح الخوف إلا لأهل الرجاء ، وقال مرة : العلماء مقطوعون إلا الخائفين والخائفون مقطوعون إلا الراجين ، وكان يجعل الرجاء مقاما في المحبة وهو عند العلماء أول مقام المحبة ، ثم يعلو في الحب على قدر ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن . وفي الخبر : « إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم وينفرهم » . وقال بشر الحافي : سكون النفس إلى المدح أضر عليها من المعاصي ، ورأى يوسف بن الحسن مخنثا فأعرض عنه ازراء عليه ، فالتفت المخنث إليه فقال : وأنت أيضا يكفيك ما بك ، ففزع من قوله وقال : أي شيء تعلم بي ؟ قال : لأن عندك أنك خير مني فاعترف يوسف بذلك فتاب واستغفر . وكان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلاوَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[ الزمر : 47 ] يرجو بذلك بوادي الجود والكرم والإحسان ما لم يحتسبه في الدنيا قط ، ويقال : إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات : سبحانك على حلمك بعد علمك ، سبحانك على عفوك بعد قدرتك ، فللراجين من العارفين فهوم من السمع للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعاني الصفات ، فكل صاحب مقام يشهد من مقامه ويسمع من حيث شهادته ، فأعلاهم شهادة الصديقين ، ثم الشهداء ، ثم الصالحين ، ثم خصوص المؤمنين ، فبه تبارك وتعالى استدلوا عليه ، وبه نظروا إليه هم درجات عند اللّه واللّه بصير بما يعملون ، وكان سهل يقول : المؤمن يعيش في سعة الرحمة ، والمؤمن يعيش في سعة الحلم فصفاته تعالى كاملات ، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء ، ولأجل مقامه المراد به دون طريق الصديقين من الأقوياء ، فعاد ذلك على العبد فصار مقاما له في القرب والبعد ، تعالى وصف المشهود عن النقصان والحد . ومثل الرجاء من الخوف مثل الرخصة من