شرح
العزائم ، وفي الخبر : إن اللّه تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه . وفي لفظ آخر أبلغ من هذا وأوكد : إن اللّه تعالى يحب أن تقبل رخصة كما يكره أن تؤتي معصيته . وفي الخبر :
« إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض نفسك إلى عبادة اللّه تعالى وخير الدين أيسره » وقال : « هلك المتعمقون هلك المتنطعون » . وفي أخبار داود عليه السلام : إن اللّه تعالى نظر إليه منتبذا وحدانيا فقال : مالك وحدانيا ؟ فقال : عاديت الخلق فيك . قال : أو ما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل ، هنالك أكتبك من أوليائي وأحبائي ولا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء ولا قسوة ، فإذا أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا : خالص حبيبي مخالصة ، وخالق أهل الدنيا مخالقة ، ودينك فقلدنيه . وروينا عن الضحاك : أن العبد ليدنو من ربه عند العرض فيقول له : عبدي أتحصي عملك ؟ فيقول : إلهي كيف أحصيه من دونك وأنت الحافظ للأشياء ، فيذكره اللّه تعالى جميع ذنوبه في الدنيا ويقول : لم اجعل للذنوب رائحة توجد منك ، ولم أجعل في وجهك شبها ، وأنا أغفرها لك اليوم على ما كان منك بإيمانك بي وتصديقك المرسلين .
ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوّق إليه لكريم وسرعة التنافس في كل نفيس ندب إليه الرحيم ، والاخبار في حقيقة الرجاء تزيد المقترين اغترارا وتزيد المستدرجين بالستر والنعم خسارا ، وهو مزيد التوّابين الصادقين وقرة عين للمحبين المخلصين وسرور لأهل الكرم والحياء وروح وارتياح لذوي العصمة والوفاء ينصع به كرمهم ويشتد عنده حياؤهم وترتاح إليه عقولهم ، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء وحسن الظن من العبادات ما لا يستخرجه الخوف إن المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات ، فصار الرجاء طريقا لأهله وصاروا واجدين به ، كما قال عمر رضي اللّه عنه : رحم اللّه صهيبا لو لم يخف اللّه لم يعصه أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف ، فصار الرجاء طريقه ، فهؤلاء هم الراجون حقا وهذه علامتهم ، ولمثل هؤلاء ذكرنا الأسباب التي توجب الرجاء وتولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء المعصومين من الهوى الموفقين لحسن خدمة المولى . فهذه جمل أحكام الرجاء وأوصاف الراجين ، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل الرجاء ، وهو عند اللّه تعالى من المقربين ، ومن كان فيه وصف من هذه الأوصاف فله مقام من الرجاء .
واعلم أن مقامات اليقين لا يزيل بعضها في بعض ، فمن غلب عليه حال منها عن وجد مشاهدته وصف بما غلب عليه واستحق ما سوى ذلك من المقامات فيه ، ومن عمل بشرط مقام منها فقام بحكم اللّه فيه نقل إلى ما سواه ، وكان المقام الأول له علما . والثاني الذي أقيم فيه له وجدا فكتم الوجد لأنه سره وعبّر عن العلم لأنه قد جاوزه ، فصار علانيته ، ومقام الرجاء هو جند من جنود اللّه يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره ، لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان ويقبل ويطمئن معاملة النعم والامتنان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب ، بل قد يقطعها ذلك ويوحشها إذ قد جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه قلوبها . إلى هنا انتهى كلام صاحب القوت ، وقد حذفت منها أشياء كثيرة .