تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
شرح
أمر به تفضلا منه من حيث كرمه لا من حيث الواجب عليه ، ولا الاستحقاق منافاته أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية ، لا من حيث اللزوم بل من حيث حسن الظن به . ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض ونفل ، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه ومعبوده ورازقه من حيث كرمه وفضله لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولؤمه ، وقد كان سهل يقول : من سأل اللّه شيئا فنظر إلى نفسه وأعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى اللّه وحده وإلى لطفه وكرمه ويكون موقنا بالإجابة ، ولا يقبل اللّه عملا ولا دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص ، فإذا شهد التوحيد ونظر إلى الوحدانية له فقد فتح له بابا من العبادة ، ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والتجلي لمعاني الصفات مما عرفوه ، وهذا من علمهم به ، وأصحاب اليمين من الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد . ومن الرجاء انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها ، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعود ، ومنه قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ[ البقرة : 218 ] ومن الرجاء كثرة التلاوة لكلام اللّه تعالى وإقام الصلاة التي هي خدمة المعبود وبذل المال سرا وعلانية ، وأن لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا كما وصف المحققين من الراجين إذا يقول تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ[ فاطر : 29 ] ومن الرجاء : القنوت في ساعات الليل وهو طول القيام للتهجد والدعاء عند تجافي الجنوب عن المضاجع لما وقر في الصدور والقلوب من المخاوف ، وكذلك وصف اللّه تعالى الراجين بهذا في قوله :أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ الزمر : 9 ] فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء ، وحصل من دليل الكلام أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما ، وهذا مما حذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه ، فالرجاء هو أوّل مقام من اليقين عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين ، ولا يكمل في قلب عبد ولا يتحقق به صاحبه حتى تجتمع فيه هذه الأوصاف : الإيمان باللّه ، والمهاجرة إليه ، والمجاهدة فيه ، وتلاوة القرآن ، وإقام الصلاة ، والانفاق في سبيل اللّه ، ثم السجود آناء الليل والقيام والحذر مع ذلك كله . فهذه جمل أوصاف الراجين وهو أوّل أحوال الموقنين ، ثم تتزايد الأعمال في ذلك ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب بالأوصاف المرجوّة ، وفصل الخطاب أن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين ، فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم ، والرجاء طريق العاملين إلى مقام العمل ، وقد وصف اللّه الراجين مع الأعمال الصالحة لقوّة رجائهم بالخوف تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة به ، فقال تعالى مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهمإِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا .[ الطور : 26 ، 27 ] وقال تعالى :يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً[ الإنسان : 7 ] من قبل أن