شرح
والامتنان ، وليس يصلح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين وهو يفسد من لم يرد به أشد الفساد ، فليس يصلح إلا بخصوصه ولا يجذب ولا يستجيب له من المحبين ، ولا محبة إلا بعد نصح القلب من المخافة ، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه ، وكلسان الميزان بين كفتيه ، ومنه قول مطرف : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ، وللمؤمن في اعتدال الخوف والرجاء مقامات : أعلاهما : مقام المقربين وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوّة ، والثاني : مقام أصحاب اليمين وهو ما عرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت الأقسام من ذلك أنه تعالى أنعم على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا ، فلما أعلمهم ذلك رجوا تمام النعمة من حيث ابتدأوها ، ومن ههنا طمع السحرة في المغفرة لما ابتدأوا بالإيمان ، فقالواإِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ[ الشعراء : 51 ] أي من حيث جعلنا أوّل المؤمنين من هذا المكان نرجو بأن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه ، وقد ذم اللّه تعالى عبدا أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى :وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ[ هود : 9 ] ثم استثنى عباده الصابرين عليه الصالحين له فقال تعالى :إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ[ هود : 11 ] ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات كل طبقة طائفة ، فمنهم من يعيش مؤمنا ويموت مؤمنا فمن ههنا رجاؤهم لأنفسهم وغيرهم من المؤمنين إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته وأن لا يسلبهم بفضل ما به بدأهم ، ومنهم من يعيش مؤمنا ويموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليه وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم اللّه تعالى بعلمه السابق فيهم ، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا ، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت كافرا ، فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم ، الثاني للمشرك إذ رأوه فلم يقطعوا لظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحالة ، وإن كان ذلك هو حقيقة عند اللّه تعالى ، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة وزن خوفه ورجائه معا ، فاعتدل حاله بذلك الاعتدال إيمانه به ، وحكم على الخلق بالظاهر وو كل إلى علام غيوب السرائر ، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر بل يرجو له ما يظن عند اللّه من الخير ، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير ، بل يخاف أن يكون قد استسر عند اللّه باطن شر إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره ، لأن ذلك هو وجد المؤمنين من قبل أنهم مأمورون بحسن الظن ، فهم يحسنون الظن بالناس ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور ، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها ويوقعون الملام عليها ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم ولخوف التزكية منهم لهم ، فمن غلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ويسيء ظنه بغيره ، فيكون خائفا على الناس راجيا لنفسه عاذرا لنفسه محتجا لها لائم الناس ذاما لهم . فهذه من أخلاق المنافقين ، ثم إن للراجي حالا من مقامه ، وللحال علامة من رجائه ، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرجو دوام المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التحبب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمنه منه ، وأنه يتقبل صالح ما