تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
دعائه : يا رب وأي أهل دهر لم يعصوك ثم كانت نعمتك عليهم سابغة ورزقك عليهم دارا سبحانك ما أحلمك وعزتك إنك لتعصى ثم تسبغ النعمة وتدرّ الرزق حتى كأنك يا ربنا لا تغضب .
شرح
( وكان بعض السلف يقول في دعائه : يا رب وأي أهل دهر ) أي زمان ( لم يعصوك ثم كانت نعمتك عليهم سابغة ) أي تامة ( ورزقك عليهم دارا ) أي واسعا متصلا . ( سبحانك ما أحلمك وعزتك أنك لتعطي ثم تسبغ النعمة حتى كأنك يا ربنا إنما تطاع سبحانك ما أحلمك تعصى وتدر الرزق وتسبغ النعمة حتى كأنك يا ربنا لا تغضب ) وقد بقي مما يتعلق بالرجاء من كتابي القوت والرسالة وغيرهما مما لم يذكره المصنف ، وقد أحببت أن أسوقه لتمام الفائدة . قال صاحب القوت ، عن بعض السلف : كل عاص فإنه يعصي تحت كنف الرحمن فمن ألقي عليه كنفه ستر عورته ومن رفع عنه كنفه افتضح ، والرجاء اسم لقوّة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوّة الحذر من الشيء ، ولذلك أقام اللّه الطمع مقام الرجاء في التسمية ، وأقام الحذر مقام الخوف فقال تعالىيَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً[ السجدة : 16 ] وقال تعالى :يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ[ الزمر : 9 ] وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان لا يصح إلا به كما لا يصح الايمان إلا بالخوف ، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطائر لا يطير إلا بجناحيه ، كذلك لا يؤمن حتى يرجو من آمن به ويخافه . وكان ابن مسعود يحلف باللّه ما أحسن عبد ظنه باللّه إلا أعطاه اللّه ذلك لأن الخير كله بيده أي : فإذا أعطاه حسن الظن به فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له . وروينا عن يوسف بن أسباط قال : سمعت سفيان الثوري يقول في قول اللّه تعالىوَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ البقرة : 195 ] قال : أي أحسنوا باللّه الظن ، والرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم والحياء وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف يروّحون به الكرب ويستريحون إليه من مقارفة الذنب ، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء ، ومن لم يقم في مقامات الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء ، ورجاء كل عبد من حقيقة خوفه ومكاشفته عن اخلاق مرجوّة في معنى ما كان كوشف به من صفات مخوّفة ، فإن كان أقيم مقام المخوّفات من المخلوقات مثل الذنوب والعيوب والأسباب رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق الجنان وما فيها من الأوصاف الحسان ، وهذه مواجهات أصحاب اليمين ، وإن كان أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم وسوء الخاتمة وخفي المكر وباطن الاستدراج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبرية رفع من حيث هذه المقامات إلى مقام المحبة والرضا فرجا من معاني الأخلاق والأسماء الكرم والإحسان والفضل والعطف واللطف