كان هذا الميت منك ؟ قالت : ابني ، قلت : ولم يكن لكم جبران ؟ قالت : بلى ولكن صغروا أمره . قلت : وأيش كان هذا ؟ قالت مخنثا ، قال فرحمتهما وذهبت بها إلى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابا . قال : فرأيت تلك الليلة كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يتشكرني ، فقلت من أنت ؟ فقال : المخنث الذي دفنتموني اليوم رحمني ربي باحتقار الناس إياي . وقال إبراهيم الأطروش : كنا قعودا ببغداد مع معروف الكرخي على دجلة ، إذ مرّ أحداث في زورق يضربون بالدف ويشربون ويلعبون ، فقالوا لمعروف : أما تراهم يعصون اللّه مجاهرين ، ادع اللّه عليهم ، فرفع يديه وقال إلهي كما فرّحتهم في الدنيا ففرّحهم في الآخرة ، فقال القوم : إنما سألناك أن تدعو عليهم ! فقال : إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم ، وكان بعض السلف يقول في
شرح
للمرأة : ما كان هذا الميت منك ) أي ما نسبته منك ؟ ( قالت ) هو ( ابني قلت : ولم يكن لكم جيران ) يحملونها ؟ ( قالت : بلى ولكن صغّروا أمره ) وحقروه . ( قلت : وأيش كان هذا ؟
قالت ) : هو ( مخنث ) بالمثلثة وبكسر النون وبفتحهما ( قال : فرحمتها وذهبت بها إلى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابا . قال ) : ونمت ( فرأيت تلك الليلة كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يتشكر لي فقلت : من أنت ؟ فقال ) : أنا ( المخنث الذي دفنتموني ) اليوم ( رحمني ربي باحتقار الناس إياي ) وكلامهم فيّ حكاه القشيري في الرسالة ، وفيه دلالة على أنه تعالى يجازى بالخير الكثير على العمل اليسير .
( وقال ) القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت أبا بكر الحربي يقول : سمعت ( إبراهيم الأطروش ) يقول : ( كنا قعودا ببغداد مع ) أبي محفوظ ( معروف ) بن فيروز ( الكرخي ) قدس سره ( على الدجلة ) وهي نهر ببغداد ( إذ مرّ بنا أحداث ) أي شبّان ( في زورق ) أي سفينة صغيرة ( يضربون بالدف ويشربون ) الخمر ( ويلعبون ) بالملاهي ( فقالوا المعروف : أما تراهم ) كيف ( يعصون اللّه مجاهرين ادع اللّه عليهم فرفع يديه وقال : إلهي كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة ، فقال القوم : إنما سألناك أن تدعو عليهم . فقال : إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم ) أي وإذا تابوا زال عنكم ما تكرهون فيحصل مطلوبكم من الدعاء عليهم ، وهذا من كمال المعرفة والسياسة في تغيير المنكر الذي لا يتمكن العبد من إزالته بقوّة الجاه والسطوة ، فسلك معروف في إزالته مسلك السؤال وطلب الفضل من اللّه في أن يغير أحوالهم عما هي عليه ، لأنه تعالى هو الفاعل بهم ما هم فيه فقال ما قال ، فأعلمهم بذلك أن التغيير في هذا الوقت لمثل هؤلاء إنما هو بالدعاء لهم بالتوبة ، وبيّن ذلك بقوله إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم .