ويقودهم بأزمة الرجاء إلى اللّه تعالى ، إذ ساقهم بسياط الخوف أوّلا ، فلما خرج ذلك بهم عن حدّ الاعتدال إلى افراط اليأس داواهم بدواء الرجاء وردهم إلى الاعتدال ، والقصد والآخر لم يكن مناقضا للأوّل ولكن ذكر في الأوّل ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه ، فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء ذكر تمام الأمر ، فعلى الواعظ أن يقتدي بسيد الوعاظ فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة بعد ملاحظة العلل الباطنة ، وإن لم يراع ذلك كان ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلحه ، وفي الخبر : « لو لم تذنبوا لخلق اللّه
شرح
اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ، ثم قال : اعملوا وأبشروا فإنكم بين خليقتين لم تكونا مع أحد إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة وإنما أمتي جزء من ألف جزء » .
ورواه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه بلفظ : « بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مسيره في غزوة بني المصطلق إذ أنزل اللّه عليهيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌإلى قولهشَدِيدٌفلما أنزلت عليه وقف على ناقته ثم رفع به صوته فتلاها على أصحابه فقال لهم :
تعلمون أين ذلك ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : ذلك يوم يقول اللّه لآدم يا آدم ابعث بعث النار من ولدك ، فيقول : يا رب من كل كم ؟ فيقول : من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة ، فبكى المسلمون بكاء شديدا ودخل عليهم أمر شديد ، فقال : والذي نفس محمد بيده ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ، بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة » .
وأما حديث أبي موسى فهو نحو من حديث ابن عباس أخرجه ابن مردويه في التفسير .
( فانظر كيف كان ) صلّى اللّه عليه وسلم ( يسوق الخلق بسياط الخوف ويقودهم بأزمة الرجاء إلى اللّه تعالى إذ ساقهم بسياط الخوف أولا ، فلما خرج ذلك بهم عن حد الإعتدال إلى ) حد ( إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء وردهم إلى الإعتدال والقصد ، والآخر لم يكن مناقضا للأول ، ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه ، فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء ذكر تمام الأمر فعلى الواعظ ) على العامة ( أن يقتدي بسيد الوعاظ ) صلّى اللّه عليه وسلم ( فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة ) إليها ( بعد ملاحظة العلل الباطنة ، وإن لم يراع ذلك كل ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلحه ) . قال صاحب القوت : مقام الرجاء هو جند من جنود اللّه تعالى يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرمة والإحسان ويقبل ويطمئن معاملة النعم والامتنان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب ، بل قد يقطعها ذلك ويوحشها إذ جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه قلوبها ، ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي والغنى في الإنسان من الناس من يقبل قلبه ويجتمع همه عندهما ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما كما قيل عن اللّه تعالى : إن من عبادي ما