تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
المطلوب هو العدل والقصد في الصفات والأخلاق كلها وخير الأمور أوساطها ، فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يرده إلى الوسط لا بما يزيد في ميله عن الوسط ، وهذا الزمان زمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء ، بل المبالغة في التخويف أيضا تكاد أن لا تردهم إلى جادة الحق وسنن الصواب ، فأما ذكر أسباب الرجاء فيهلكهم ويرديهم بالكلية ، ولكنها لما كانت أخف على القلوب وألذ عند النفوس ، ولم يكن غرض الوعاظ إلا استمالة القلوب واستنطاق الخلق بالثناء كيفما كانوا مالوا إلى الرجاء حتى ازداد الفساد فسادا وازداد المنهمكون في طغيانهم تماديا . قال عليّ كرّم اللّه وجهه إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة اللّه تعالى ولا يؤمنهم من مكر اللّه . ونحن نذكر أسباب الرجاء لتستعمل في حق الآيس أو فيمن غلب عليه الخوف
شرح
بما يضادها لا بما يزيد فيها ) ويهيجها ، ( فإن المطلوب ) في كل شيء ( هو العدل والقصد في الصفات والأخلاق كلها وخير الأمور أوساطها ) كما ورد ذلك في الخبر ، وتقدم ذكره ، ( فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يرده إلى الوسط لا بما يريد في ميله عن الوسط ، وهذا الزمان ) يعني به زمانه الذي كان فيه وهو رأس الأربعمائة بعد الهجرة ( زمان لا ينبغي ان يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء ) وما يترخص فيه ، ( بل المبالغة في التخويف ) والتحذير ( أيضا تكاد ) أي تقرب ( لا تردهم إلى جادة الحق وسنن الصواب ) أي طريقه ، ( فأما ذكر أسباب الرجاء ) والرخص ( فتهلكهم وترديهم ) أي توقعهم في الردى ( بالكلية ، ولكنها لما كانت أخف ) وقعا ( على القلوب وألذ عند النفوس ) وأروح عند الأسماع ( ولم يكن غرض الوعاظ ) وأرباب الكراسي ( إلا استمالة القلوب ) إليهم ( واستنطاق الخلق بالثناء ) عليهم كيفما كانوا ( مالوا إلى الرجاء ) والرخص ، حتى ازداد الفساد فسادا وازداد المنهمكون في الطغيان تماديا ، قال علي كرم اللّه وجهه : إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة اللّه تعالى ولا يؤمنهم من مكر اللّه تعالى . ولفظه في نهج البلاغة : الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة اللّه ولم يؤيسهم من روح اللّه ولم يؤمنهم من مكر اللّه . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبي ، حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن الحكم ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا شجاع بن الوليد ، عن زياد بن خيثمة ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن حمزة عن علي رضي اللّه عنه قال : ألا إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة اللّه ، ولا يؤمنهم من عذاب اللّه ، ولا يرخص لهم في معصية اللّه ، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ، ولا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا خير في علم لا فهم فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها . ( ونحن نذكر أسباب الرجل ليستعمل في حق الآيس ) من روح اللّه ( وفيمن غلب عليه الخوف ) وأفرط عليه حتى أخرجه إلى القنوط من رحمة اللّه ( اقتداء بكتاب اللّه ) عز وجل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 340 | مرتضى الزبيدي