إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 339
بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب : اعلم أنّ هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين : إما رجل غلب عليه اليأس فترك العبادة ، وإما رجل غلب عليه الخوف فاسرف في المواظبة على العبادة حتى أضر بنفسه وأهله ، وهذان رجلان مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الافراط والتفريط ، فيحتاجان إلى علاج يردهما إلى الاعتدال ، فأما العاصي المغرور المتمني على اللّه مع الإعراض عن العبادة واقتحام المعاصي فأدوية الرجاء تنقلب سموما مهلكة في حقه وتنزل منزلة العسل الذي هو شفاء لمن غلب عليه البرد ، وهو سم مهلك لمن غلب عليه الحرارة ، بل المغرور لا يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف والأسباب المهيجة له ، فلهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفا ناظرا إلى مواقع العلل معالجا لكل علة بما يضادها لا بما يزيد فيها ، فإنّ مكانك » الحديث . ثم قال : فقد صار الرجاء طريقه إلى الجنة كما كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها ، روينا أن الآخر سعى مبادرا إلى النار لما قال ردوه فقيل له في ذلك فقال : لقد ذقت من وبال معصيتك في الدنيا ما خفت من عذابك في الآخرة . وقال : خفت أن أعصيه في الآخرة كما عصيته في الدنيا . فقال : اذهبوا به إلى الجنة . نسأل اللّه حسن التوفيق بلطفه وكرمه . بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب : ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين : إما رجل غلب عليه اليأس ) من روح اللّه تعالى ( فترك العبادة ) من أصلها ، ( وإما رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة فاضر بنفسه وأهله ) ، وهذا هو الموطن الرابع من مواطن استعمال الرجاء ، وقد تقدمت الإشارة للمواطن الثلاثة ، ثم هذا العبد الذي أورثه الافراط في الخوف إلى القنوط إما بسبب كثرة الذنوب أو بسبب الجهل بجود اللّه وكرمه وقبوله للتوبة من العبد المذنب إذا رجع إليه ، فهذا داء عظيم يجب دواؤه بالرجاء كما يشير إليه المصنف فيما بعد ( وهذان رجلان مائلان عن ) حدّ ( الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط فيحتاجان إلى علاج ) يردهما إلى الاعتدال ، ( فأما العاصي المغرور المتمني على اللّه ) المغفرة والدرجات العالية ( مع الإعراض عن العبادة واقتحام المعاصي فأدوية الرجاء تنقلب سموما مهلكة في حقه وتنزل منزلة العسل الذي هو شفاء ) للناس بنص القرآن أي ( لمن غلب عليه البرد ) منهم في مزاجه إما من أصله أو من عارض ( وهو سم مهلك لمن غلب عليه الحرارة ) في مزاجه ، إما من طبع أو من عارض ، وهذا مما اتفق عليه العارفون بالطب ، والمتكلمون على الخواص . ( بل المغرور ) المتمني ( لا يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف والأسباب المهيجة له ) لتكون مزيلة لمرض غروره والأمراض لا تعالج إلا باضدادها ، ( فلهذا يجب ان يكون واعظ ) العامة من ( الخلق ) وكذا الأستاذ والمعلم حكيما بصيرا ( متلطفا ) عارفا بنبضهم ( ناظرا إلى مواقع العلل معالجا لكل علة