حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه ، فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهدها وتنحية كل حشيش ينبت فيها ، فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد ، وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس ، واليأس يمنع من التعهد ، فمن عرف أن الأرض سبخة وأن الماء معوز وأن البذر لا ينبت : فيترك لا محالة تفقد الأرض والتعب في تعهدها والرجاء محمود ، لأنه باعث ، واليأس مذموم وهو ضدّه لأنه صارف عن العمل ، والخوف ليس بضدّ للرجاء بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه ، بل هو باعث آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة ، فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال . ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على اللّه تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له ، فإن هذه الأحوال لا بد وأن تظهر
شرح
حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه ، فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهده وتنحية كل حشيش ينبت فيها ، فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد ، وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس واليأس يمنع من التعهد ، فمن عرف ان الأرض سبخة وأن الماء معوز ) أي قليل الوجود ، ( وأن البذر لا ينبت ، فيترك لا محالة تفقد الأرض والتعب في تعهدها ، والرجاء محمود ) مقامه ( لأنه باعث ) على العمل حاث عليه كالخوف ، ( واليأس ) الذي هو ضده ( مذموم وهو ضده لأنه صارف عن العمل ) . ولفظ القشيري : فالرجاء محمود والتمني معلول ، ( والخوف ليس بضدّ للرجاء ) كما يتبادر إلى الأذهان ، ( بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه ، بل هو ) أي الخوف باعث آخر بطريق آخر بطريق الرهبة ، كما أن الرجاء ( باعث بطريق الرغبة ) لأن السبب الموجب للخوف هو بعينه سبب الرجاء لأن الصفات القديمة تعلقت بكل موجود في الوجود ، ومتعلقاتها لا تنقضي سرمدا فهي التي يصدر عنها كل ما ساء وسر ونفع وضر فقد قهر وجبر واعطى ومنع . كل ذلك على أتم أنواع الكمال ، فمن عرف ذلك من صفاته تعالى خافه ورجاه ، وهذا هو الرجاء لذاته الذي لا يتوقع بحسنة ولا يندفع بنسيئة إنما ينشأ من فضل اللّه الذي هو فضله لمن اختصه في أزله من عباده ، كما أن الخوف ينشأ عن عدل اللّه الذي هو عدله لمن أبعده عن حضرته في أزله ، وينتفع بهذا الرجاء من أخرجه خوف الذنوب والعيوب إلى اليأس والقنوط ، وينتفع بالخوف الذي يراد لذاته من أخرجه رؤية كثرة الأعمال إلى الإدلال والأمن والاغترار ، ( فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ) ولاستعماله مواطن ثلاثة قد أشار إليها المصنف قريبا .
( و ) أما علاماته فهي ما تصدر ( من آثاره ) من ( التلذذ بدوام الاقبال على اللّه تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له ) عند الدعاء والسؤال ، ولذلك ألحق الحليمي رحمه اللّه تعالى الدعاء بالرجاء ، وذكر له أركانا وآدابا ، وقد تقدم بيان ذلك تفصيلا في كتاب الدعوات