شرح
العبادة وينكشف له الوجود فيرى نعم اللّه الدارة عليه ظاهرة وباطنة ، فيفرح بنعم اللّه ويسلك الطريق بحال الشكر بعد أن كان سالكا بحال الصبر ونفس السلوك لا يختلف ، وإنما تختلف الأحوال الباعثة عليه والعمل الواحد لا يحث عليه حالان شرعيان لأن سوادين لا يكونان في محل واحد في زمن واحد احترازا بذلك عن وازع الطبع ، فإنه يحث وازع الشرع في زمان واحد . نعم يكون أحدهما للسالك والثاني فعلا لحقيقته وقوته واستيلائه ، وقد ترجح الشكر عندي بهذه المقدمة وبترجيحات سبعة هي معروضة عليك ، فسنذكر أولا حقيقة التفاضل ، ثم نورد فيها بما وعدنا به حقيقة التفاضل بين الأشياء الفضيلة مأخوذة من الفضل وهو الزيادة فمهما تشارك شيئان في أمر واختص أحدهما بمزيد يقال فضله وله الفضل عليه ، ولا يصح التفاضل بين عملين من حيث أن أحدهما أشق على فاعله ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الإيمان بضع وسبعون أعلاها لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » وليس سد رأس البئر من الطريق بأسهل من قول لا إله إلا اللّه وقد أثنى اللّه على أعمال الملائكة بعدم السآمة والملل والانقطاع ، وأن تسبيحهم يجري منا مجرى النفس وذلك غاية الملاذ ، ولا من حيث كثرة الثناء على أحدهما دون الآخر فقد شوقنا ربنا جل جلاله إلى الجنة وما فيها أكثر مما شوّقنا من النظر إلى وجهه تعالى ، ولا قائل بأن لذات الجنة أفضل من لذة النظر إلى وجهه تعالى ، فعلى هذا تعرف أن حقيقة التفاضل وزن ذات الشيئين وصفاتهما بميزان البراهين فأيهما رجح فهو الأفضل . مثال ذلك الشكر أرجح من الصبر بسبعة أسباب .
أحدها : أن اللّه تعالى تسمّى بهما جميعا فجاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي : « الصبور » وجاء في كتاب اللّه « الشكور » فكما قيل في الصبور مضمن في الشكور وزاد عليه بثنائه على نفسه وعلى عباده بكلامه القديم ، ولا يوجد مثل هذا في اسمه الصبور .
الثاني : النظر في سببهما وسبب الصبر معرفة الآلاء ، وسبب الشكر معرفة ذي النعماء وشتان بين المعرفتين .
الثالث : النظر في حالهما فحال الصبر استدعاء المكايدة والمجاهدة للغلبة ، وحال الشكر استدعاء الفرح برؤية المنة ، والخادم الفرح أفضل من المتكلف عند المخدوم .
الرابع : النظر في أعمالهما فعمل الصبر محنة وابتلاء ، وعمل الشكر نعمة مشكور عليها عند الشاكر ، وفرق بين من شهد التكاليف محنة وابتلاء فيصبر عليه أو بين من يراها نعمة تشوقه إلى جوار اللّه تعالى فيشكر عليها .
الخامس : النظر في علاجهما . وعلاج الصبر رؤية الجزاء للظفر ، وعلاج الشكر رؤية المريد لطاعة المجيد .
السادس : النظر في استدامتهما في السلوك ، فالشكر مستحب للسالك في كل مقام وحال ، والأحوال والمقامات لا نهاية لها فالشكر على ذلك لا نهاية له والصبر ينقطع عنه أول مقام من مقامات الرضا بالإجماع من مشايخ السلوك .