نفسه مثل الفقير ، إذ لا يمسك لنفسه من المال إلا قدر الضرورة والباقي يصرفه إلى الخيرات أو يمسكه ، على اعتقاد أنه خازن للمحتاجين والمساكين ، وإنما ينتظر حاجة تسنح حتى يصرف إليها ، ثم إذا صرف لم يصرفه لطلب جاه وصيت ولا لتقليد منة بل أداء لحق اللّه تعالى في تفقد عباده ، فهذا أفضل من الفقير الصابر .
فإن قلت : فهذا لا يثقل على النفس والفقير يثقل عليه الفقر ، لأنّ هذا يستشعر لذة القدرة وذاك يستشعر ألم الصبر ، فإن كان متألما بفراق المال فينجبر ذلك بلذته في القدرة
شرح
يصح من قبل تفاوتهم في اليقين والمشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض الشاكرين بفضل معرفته وحسن صبره وخصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين لحسن يقينه وعلو شهادته ، ولكن تفصيل ذلك من طريق الأحوال والمقامات إنا نقول واللّه أعلم أن لصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد والخوف وهما أعل المقامات ، وأن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء والرضا ، وأن الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من قبل أنه أشق على النفس ، وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصي بذلك أفضل من الشكر على النعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنعم أفضل من الطاعة لمن جاهد نفسه فيها ، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة وهذا فضل لأنها مشاهدة المقربين ، وإذا صبر عما يشكر عليه من النعم كان أفضل لأنها حال الزاهدين . وفي الخبر : « نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل » يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب ، فرفع أهل البلاء إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه ، فمن كان به صلّى اللّه عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلم شاكرا على شدة بلائه ، وكذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء إذ هو الأمثل والأقرب إلى وصف الأنبياء ، وكل مقام من مقامات اليقين يحتاج إلى صبر وإلى شكر وأحدهما لا يتم إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل ، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد ، وقد قرن اللّه تعالى بينهما ووصف المؤمنين بهما فقال :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ[ إبراهيم : 5 ] اه كلام صاحب القوت .
وربما أفرط بعض الصوفية وقال : الفقير الشاكر أفضل من الغني الشاكر ( و ) أما قولهم :
الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر ، فإن ( ذلك هو الغني الذي يرى نفسه مثل الفقير إذ لا يمسك لنفسه من المال إلا قدر الضرورة والباقي يصرفه إلى الخيرات أو يمسكه على اعتقاد أنه خازن للمحتاجين والمساكين ، وإنما ينتظر حاجة تسنح ) أي تعرض ( حتى يصرف ) ذلك ( إليها ، ثم إذا صرف لم يصرفه لطلب جاه وصيت ) أي شهرة بين الناس ( ولا لتقليد منّة ، بل أداء لحق اللّه تعالى في تفقد عباده . فهذا أفضل من الفقير الصابر ) بهذا الاعتبار .
( فإن قلت : فهذا ) الذي ذكرته ( لا يثقل على النفس والفقير يثقل عليه الفقر لأن هذا يستشعر لذة القدرة ) والملك ، ( وذلك يستشعر ألم الصبر ) على العدم ، ( فإن كان متألما