تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
أولاده وإتلاف أمواله وزوال عقله أربع عشرة سنة فكان ، يقول : دعوة الجنيد أصابتني ، ورجع إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر . ومهما لاحظت المعاني التي ذكرناها علمت أنّ لكل واحد من القولين وجها في بعض الأحوال ، فرب فقير صابر أفضل من غني شاكر كما سبق ، ورب غني شاكر أفضل من فقير صابر . وذلك هو الغني الذي يرى
شرح
وزوال عقله أربع عشرة سنة فكان يقول : دعوة الجنيد أصابتني ، ورجع إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر ) هكذا نقله صاحب القوت . وقال القشيري في الرسالة ، وقيل إن يحيى بن معاذ الرازي تكلم ببلخ في تفضيل الغني على الفقير وأعطى ثلاثين ألف درهم فقال بعض المشايخ لا بارك اللّه له في هذا المال . فخرج إلى نيسابور ووقع عليه اللص وأخذ ذلك المال منه . ( ومهما لاحظت المعاني التي ذكرناها علمت أن لكل واحد من القولين وجها في بعض الأحوال . فربّ فقير صابر أفضل من غني شاكر كما سبق ) تقريره ، ( ورب غني شاكر أفضل من فقير صابر ) . قال صاحب القوت : فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه . أحدها : أن المقامات أعلى من الأحوال ، وقد يكون الصبر والشكر حالين وقد يكونان مقامين ، فمن كان مقامه الصبر وكان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام ، ومن كان مقامه الشكر وكان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار مزيدا للشاكر في مقامه . الوجه الثاني : من التفضيل : المقربون أعلى مقاما من أصحاب اليمين ، فالصابرون من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين ، والشاكرون والمقربون أفضل من الصابرين من أصحاب اليمين . فإن قيل : فإن كان الشاكر والصابر من المقربين فأيهما أفضل عندك ؟ فقد قلنا : إن اثنين لا يتفقان في مقام من كل وجه لانفراد الوجه بمعاني لطائف اللطيفة بمثل ما انفردت الوجوه بلطيفة الصفة مع تشابه الصفات واشتباه الأدوات ، وأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه أحبهما إليه تعالى وأقربهما منه وأحسنهما يقينا لأن اليقين أعز ما أنزل اللّه عز وجل ، ثم قال وجه آخر من بيان التفضيل . نقول : إن الصبر عما يوجب الشكر أفضل ، وأن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل ، وهذا يختلف باختلاف الأحوال تفسيره : إن الصبر عن حظ النفس وعن التنعم والترفة أفضل إن كان عبدا حاله النعمة ، فالصبر عن النعيم والغنى مقام في المعرفة وهو أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله ، ونقول : إن الشكر على الفقر والبلاء والمصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد والبلاء فالشكر عليه مقام له في المعرفة ، فهو حينئذ أفضل لأن فيه الرضا المتفق على فضله . وقال في موضع آخر من كتابه : ومن الناس من يقول : الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن بينهما تفضيل عند أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من الموقنين ، والترجيح بين جماعة على جماعة لا