تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
على الإنفاق ؟ فاعلم أنّ الذي نراه أن من ينفق ماله عن رغبة وطيب نفس أكمل حالا ممن ينفقه وهو بخيل به وإنما يقتطعه عن نفسه قهرا ، وقد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة ، فإيلام النفس ليس مطلوبا لعينه بل لتأديبها ، وذلك يضاهي ضرب كلب الصيد ، والكلب المتأدب أكمل من الكلب المحتاج إلى الضرب وإن كان صابرا على الضرب ، ولذلك يحتاج إلى الإيلام والمجاهدة في البداية ولا يحتاج إليهما في النهاية ، بل النهاية أن يصير ما كان مؤلما في حقه لذيذا عنده ، كما يصير التعلم عند الصبي العاقل لذيذا ، وقد كان مؤلما له أولا ولكن لما كان الناس كلهم إلا الأقلين في البداية بل قبل البداية بكثير كالصبيان ، أطلق الجنيد القول بأن الذي يؤلم صفته أفضل ، وهو كما قال صحيح فيما أراده من عموم الخلق ، فإذا إذا كنت لا تفصل الجواب وتطلقه لإرادة الأكثر فأطلق القول بأن الصبر أفضل من الشكر فإنه صحيح بالمعنى السابق إلى الإفهام ؛
شرح
لفراق المال فينجبر ذلك بلذته في القدرة على الإنفاق ؟ فاعلم أن الذي نراه أن من ينفق ماله عن رغبة وطيب نفس أكمل حالا ممن ينفقه وهو بخيل به ، وإنما يقتطعه عن نفسه قهرا ، وقد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة ) فليراجع هناك . ( فإيلام النفس ليس مطلوبا لعينه بل لتأديبها ) أي لتتأدب ، ( وذلك يضاهي ضرب كلب الصيد والكلب المتأدب أكمل من الكلب المحتاج إلى الضرب وإن كان صابرا على الضرب ، ولذلك يحتاج إلى الإيلام والمجاهدة في البداية ) أي في ابتداء السلوك ، ( ولا يحتاج إليهما في النهاية بل النهاية أن يصير ما كان مؤلما في حقه لذيذا عنده ) وهو مقام الرضا وينشأ عن المحبة ، ( كما يصير التعلم عند الصبي العاقل لذيذا وقد كان مؤلما له أولا ، ولكن لما كان الناس كلهم إلا الأقلين في ) درجة ( البداية بل قبل البداية بكثير كالصبيان ) في نقصهم ( أطلق الجنيد ) رحمه اللّه تعالى ( القول بأن الذي يؤلم صفته أفضل ، وهو كما قال صحيح فيما أراده من عموم الخلق ، فإذاً إذا كنت لا تفصل الجواب وتطلقه لإرادة الأكثر فاطلق القول بأن الصبر أفضل من الشكر لأنه صحيح بالمعنى السابق إلى الأفهام ) وإليه ذهب أكثر الصوفية قديما وحديثا . ورأيت الكمال أبا بكر محمد بن إسحاق الصوفي قد جنح في كتابه مقاصد المنجيات إلى تفضيل الشكر على الصبر وترجيحه عليه وكلامه فيه غريب ، فأحببت أن أورده بتمامه ولا أترك منه شيئا لتمام الفائدة إذ هو من وادي كلام المصنف فقال : الفرع الثاني في فضل الشكر على الصبر اختلف العلماء في ذلك بين المرجح لأحدهما والمسوّي لهما ، ولا شك أن الصبر مقام محمود تعرف فضيلته بالشرع والتجربة ، ولكن قد تقرر أن المقامات منازل ولها ترتيب في السلوك كالشرط والمشروط والوسيلة والمقصود ، ومن النوادر أن يصل السالك إلى مقصود قبل الدخول في وسيلته ولا شك أن الصبر منزل يضع التائب قدمه الأول فيه ، وقد قطع عقبات كثيرة فيصفو قلب السالك وتحلوله
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 315 | مرتضى الزبيدي