تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
معه مال وقد غلبه البخل وحب المال على إمساكه فإخراج الدرهم له أفضل من قيام ليال وصيام أيام ، لأن الصيام يليق بمن غلبته شهوة البطن فأراد كسرها أو منعه الشبع عن صفاء الفكر من علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع ، فأما هذا المدبر إذ لم تكن حاله هذه الحال فليس يستضر بشهوة بطنه ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه ، فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره ، وهو كالمريض الذي يشكو وجع لبطن إذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به ، بل حقه أن ينظر في المهلك الذي استولى عليه ، والشح المطاع من جملة المهلكات ، ولا يزيل صيام مائة سنة وقيام ألف ليلة منه ذرة ، بل لا يزيله إلا إخراج المال ؛ فعليه أن يتصدق بما معه ، وتفصيل هذا مما ذكرناه في ربع المهلكات فليرجع إليه ، فإذا باعتبار هذه الأحوال يختلف ، وعند ذلك يعرف البصير أن الجواب المطلق فيه خطأ ، إذ لو قال لنا قائل : الخبز أفضل أم الماء لم يكن فيه جواب حق إلا أن الخبز للجائع أفضل ، والماء للعطشان أفضل ، فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل ، وإن كان الجوع أغلب فالخبز
شرح
وأن قيام الليل أفضل من غيره ) وهو على إطلاقه صحيح ، ( ولكن التحقيق فيه أن الغني الذي معه مال كثير وقد غلبه البخل وحب المال على إمساكه فأخراج درهم له أفضل من قيام ليال وصيام أيام ، لأن الصيام يليق بمن غلبه شهوة البطن فأراد كسرها ) برياضة الصوم ( أو منعه الشبع عن صفاء الفكر في علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع ) لينفتح له باب المعرفة في اللّه تعالى ، ( فأما هذا المدبّر إن لم تكن حاله هذه الحال فليس يستضر بشهوة بطنه ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره ، وهو كالمريض الذي يشكو وجع البطن ، إذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به ) لاختلاف العلتين ، ( بل حقه أن ينظر في المهلك الذي استولى عليه ) وغلب طبعه ( والشح المطاع ) وهو الذي يكون هو مغلوبا له وذاك حاكما عليه بمنزلة الأمير المطاع فيعمل بموجب أوامره ولا يطيع باعث الدين أبدا وهو ( من جملة المهلكات ) كما ورد ذلك في الخبر « ثلاث منجيات وثلاث مهلكات » الحديث وقد تقدم في كتاب ذم البخل ، ( ولا يزيل صيام مائة سنة وقيام ألف ليلة منه ذرة ) منه لانفكاك الجهتين ، ( بل لا يزيله إلا إخراج المال ) عن ملكه ، ( فعليه أن يتصدق بما معه ) هذا هو الأفضل في حقه . ( وتفصيل هذا مما ذكرناه في ربع المهلكات فليرجع إليه ) فإنه مهم ، ( فإذا باعتبار هذه الأحوال يختلف وعند ذلك يعرف البصير أن الجواب المطلق فيه خطأ إذ لو قال لنا قائل : الخبز أفضل أم الماء لم يكن فيه جواب حق إلا أن الخبز للجائع أفضل والماء للعطشان أفضل ، فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب ، فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل ، فإن تساويا