تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
شرح
السلام بعد ذلك في وصفين آخرين ، وأفرد أيوب عليه السلام بفضل ثناء ثلاثة عشر أول ذلك قوله تعالى في مدحه ( واذكر ) فهذه كلمة مباهاة باهى بأيوب عليه السلام عند رسوله المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وشرفه وفضله بقوله تعالى : واذكر يا محمد فأمره بذكره والاقتداء به كقوله تعالى :فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ[ الأحقاف : 35 ] قيل : هم أهل الشدائد والبلاء منهم أيوب عليه السلام قرضوا بالمقاريض ونشروا بالمناشير وكانوا سبعين نبيا ، وقيل : هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهؤلاء آباء الأنبياء وأفاضلهم كقوله تعالى :وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ[ ص : 45 ] وكقوله :وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ[ مريم : 41 ] يعني أصحاب القوة والتمكين وأهل البصائر واليقين ، ثم رفع أيوب إلى مقامهم فضمه إليهم وجعله سلوة له صلّى اللّه عليه وسلم ثم ذكره إياه وذكر به ثم قال : ( عبدنا ) فأضافه إليه إضافة تخصيص وتقريب ولم يدخل بينه وبينه لام تعريف فيقول : عبدا لنا فألحقه بنظرائه من أهل البلاء في قوله :وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَوهم أهل البلاء الذين باهى بهم الأنبياء وجعل من ذرياتهم الأصفياء فأضاف أيوب إليهم في حسن الثناء وفي لفظ التذكرة به في الثناء ثم قال :نادى رَبَّهُفأفرده بنفسه لنفسه وانفرد له في الخطاب بوصفه وقال :مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[ ص : 41 ] فوصفه بمواجهة التملق له ولطيف المناجاة فظهر له بوصف الرحمة فاستراح إليه فناداه فشكا إليه واستغاث به فأشبه مقامه مقام موسى ويونس عليهما السلام في قولهماتُبْتُ إِلَيْكَ[ الأحقاف : 15 ] وفي قول الآخر :لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[ الأنبياء : 87 ] هذا خطاب المشاهدة ونظر المواجهة ، ثم وصفه بالاستجابة له وأهله بكشف الضر عنه وجعل كلامه سببا لتنفيذ قدرته ومكانا لمجاري حكمته ومفتاحا لفتح إجابته ثم قال بعد ذلك كله ( ووهبنا له أهله ) [ ص : 43 ] فزاد على سليمان عليه السلام في الوصف إذ كان بين من وهب لأهله وبين من وهب له أهله فضل في المدح لأنه قال في وصف سليمانوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ[ ص : 30 ] فاشبه فضل أيوب في ذلك على سليمان كفضل موسى على هارون عليهم السلام لأنه قال في فضل موسى عليه السلام وتفضيله على هارون عليه السلام :وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا[ مريم : 53 ] وكذلك قال في مدح داودوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَفوهب لموسى أخاه كما وهب لداود ابنه ، وأشبه مقام أيوب في المباهاة والتذكرة به مقام داود عليه السلام لأنه قال أيضا في وصفه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ[ ص : 17 ] وكذلك قال في نعت أيوبوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ[ ص : 41 ] فقد شبه أيوب بداود وموسى عليهما السلام في المعنى ورفعه إليهما في المقام وهما في نفوسنا أفضل من سليمان عليه السلام ، فأشبه أن يكون حال أيوب أعلى من حال سليمان عليهما السلام ، وعلم اللّه المقدم ولكن هذا ألقي في قلوبنا واللّه أعلم . ثم قال بعد ذلكرَحْمَةً مِنَّافذكر نفسه ووصفه عند عبده تشريفا له وتعظيما ، ثم قال :وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ[ ص : 43 ] فجعله إماما للعقلاء وقدوة لأهل الصبر والبلاء وتذكرة وسلوة من الكروب للأصفياء ، ثم قال عز وجلإِنَّا وَجَدْناهُ صابِراًفذكر نفسه سبحانه ذكرا ثانيا لعبده ، ووصل اسمه باسمه حبا له وقربا منه ، لأن النون
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299 | مرتضى الزبيدي