تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
« يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه اللّه جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أما ترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ، فيقول : نعم يا رب ، فيقول اللّه تعالى : كلا ، أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين » وقد قال اللّه تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] وأما قوله : « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » ، فهو دليل على أنّ الفضيلة في الصبر ، إذ ذكر ذلك في معرض المبالغة لرفع درجة الشكر ، فألحقه بالصبر فكان هذا منتهى درجته ، ولولا أنه فهم من الشرع علو درجة الصبر لما كان إلحاق الشكر به مبالغة في الشكر ، وهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الجمعة حج المساكين وجهاد المرأة
شرح
اتفق أهل المعرفة على فضل العلم على العمل ، فالصبر من مقامه الخوف وقرب حال الصابر في الفضل من مقامه ، والشكر حال من مقامات الرجاء كذلك يقرب حال الشاكرين من قربه ، ومن السنة ( كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر » ) ومن أوتي خصلة منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وقد تقدم الكلام عليه في مبحث الصبر فقرب الصبر باليقين الذي لا شيء أعز منه ولا أجل وارتفاع الأعمال وعلو العلوم به . ( وفي الخبر : « يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه اللّه جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أما ترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب . فيقول اللّه تعالى : كلا ، أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر ) عليه ( فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين » ) كذا أورده صاحب القوت . وقال العراقي : لم أجد له أصلا ، ( وقد ) يفضل الصبر على الشكر بوجه آخر ، وهو أن الصبر حال البلاء والشكر حال النعمة والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق . ( قال اللّه تعالى :إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) والشاكر يؤتى أجره بحساب لأنه إنما هو تحقيق الوصف ونفي ما عداه ، وقد رفع علي رضي اللّه عنه الصبر على أرفع مقامات اليقين فقال : في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب الإيمان والصبر على أربع دعائم ؛ على الشوق والإشفاق والزهد والتقريب ، فمن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات ، فجعل هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه ويحتاج إليه في جميعها وجعل الزهد أحد أركانه . ( وأما قوله ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » ) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وقد تقدم ، ( فهو دليل على الفضيلة في الصبر إذ ذكر ذلك في معرض المبالغة لرفع درجة الشكر ، فألحقه بالصبر فكان هذا منتهى درجته ، لولا أنه فهم من علو درجة الصبر لما كان إلحاق الشكر به مبالغة في الشكر وهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلم الجمعة حج المساكين وجهاد المرأة حسن التبعل » ) قال العراقي : رواه الحرث بن أبي أسامة في مسنده بالشطر الأول من حديث أبي موسى بسند ضعيف ، والطبراني بالشطر الثاني من حديثه بسند