إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 295
حالة اقتضتها حالة أخرى وردت على القلب فمالت به عن الاعتدال ؟ هذا فيه نظر ، وذكر تحقيقه لا يليق بما نحن فيه ، وقد ظهر بما سبق أن العافية خير من البلاء فنسأل اللّه تعالى المنان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين . بيان الأفضل من الصبر والشكر : اعلم أنّ الناس اختلفوا في ذلك فقال قائلون : الصبر أفضل من الشكر . وقال آخرون : الشكر أفضل . وقال آخرون : هما سيّان . وقال آخرون يختلف ذلك باختلاف الأحوال ، واستدل كل فريق بكلام شديد الاضطراب بعيد عن التحصيل ، فلا معنى للتطويل القلب فمالت به عن الإعتدال هذا فيه نظر ) ومحل تأمل ، والذي يظهر أن الحق القول الثاني وأنها تنشأ عن حالة أخرى ترد على القلب ، ( وذكر تحقيقه ) بالتفصيل ( لا يليق بما نحن فيه ) لأنه من علوم المكاشفة ، ( وقد ظهر بما سبق أن العافية خير من البلاء ، فنسأل اللّه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين ) . بيان الأفضل من الصبر والشكر : ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن الناس اختلفوا في ذلك فقال قائلون : الصبر أفضل من الشكر ) وهم الأكثرون ، وظاهر الكتاب والسنة يدلان عليه . ( وقال آخرون : الشكر أفضل ) من الصبر وقد ذهب إليه بعض العارفين ورجحوه بسبع ترجيحات ، وسيأتي ذكرها في آخر الباب ، ( وقال آخرون : هما سيان ) أي مستويان في الدرجة والمقام ( لا فضيلة لأحدهما على الآخر ) إذ كل منهما مقام ، وليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل مقام طبقات متفاوتة وهذا مذهب القدماء من العلماء إذ سئل بعضهم عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر ، فقال : كلاهما سواء لأن اللّه تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر شاكر بثناء واحد ، فقال في وصف أيوب عليه السلام نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] وقال في وصف سليمان عليه السلام : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] وهذا المذهب مرجوح كما سيأتي بيانه . ( وقال آخرون : يختلف ذلك باختلاف الأحوال ) وهذا مذهب المحققين من أهل المعرفة يقولون : إنه لا يجتمع عبدان في مقام بالسواء لا بد أن يكون أحدهما بعمل أو علم أو وجد أو مشاهدة لتفاوت أوجه بمشاهدات ، وإن كان الصواب والقصد واحدا وقال اللّه تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [ البقرة : 148 ] وقال تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [ الإسراء : 84 ] قيل : اقصد وأقرب طريقا ، ( واستدل كل فريق بكلام شديد