تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
فكيف أراد الهجر الذي لم يرده ، بل لا يصدق هذا الكلام إلا بتأويلين . أحدهما : أن يكون ذلك في بعض الأحوال حتى يكتسب به رضاه الذي يتوصل به إلى مراد الوصال في الاستقبال فيكون الهجران وسيلة إلى الرضا والرضا وسيلة إلى وصال المحبوب ، والوسيلة إلى المحبوب محبوبة ، فيكون مثاله مثال محب المال إذا أسلم درهما في درهمين فهو بحب الدرهمين يترك الدرهم في الحال . الثاني : أن يصير رضاه عنده مطلوبا من حيث أنه رضاه فقط ويكون له لذة في استشعاره رضا محبوبه منه تزيد تلك اللذة على لذته في مشاهدته مع كراهته ، فعند ذلك يتصوّر أن يريد ما فيه الرضا ، فلذلك قد انتهى حال بعض المحبين إلى أن صارت لذتهم في البلاء مع استشعارهم رضا اللّه عنهم أكثر من لذتهم في العافية من غير شعور الرضا ، فهؤلاء إذا قدروا رضاه في البلاء صار البلاء أحب إليهم من العافية ، وهذه حالة لا يبعد وقوعها في غلبات الحب ولكنها لا تثبت ، وإن ثبتت مثلا فهل هي حالة صحيحة أم
شرح
الذي لم يرده ) ولا يبعد أنه أراد أن لا تكون له إرادة بدون إرادة اللّه ، وأن تكون إرادته تابعة لإرادته وصلا أو هجرا قربا أو بعدا ، وفيه قال أبو يزيد قدس سره لما قيل له ما تريد ؟ قال : أريد أن لا أريد . واعترضه صاحب منازل السالكين فقال : هذه أيضا إرادة ونوقش بأنها إرادة مطلوبة وبأنها داخلة في قوله أريد . والحاصل أنه من باب كمال الرضا ، ( بل لا تصدق في الكلام إلا بتأويلين ) . ( أحدهما : أن يكون ذلك في بعض الأحوال حتى يكتسب به رضاه الذي يتوصل به إلى مراد الوصال في الاستقبال فيكون الهجران وسيلة الرضا ، والرضا وسيلة الوصال إلى المحبوب ، والوسيلة إلى المحبوب محبوبة فيكون مثاله مثال محب المال إذا أسلم درهما في درهمين فهو محب الدرهمين بترك الدرهم في الحال ) . ( الثاني : أن يصير رضاه عنده مطلوبا من حيث أنه رضاه فقط وتكون له لذة في استشعاره رضا محبوبه منه تزيد تلك اللذة على لذته في مشاهدته مع كراهته ، فعند ذلك يتصور أن يريد ما فيه الرضا ، فلذلك قد انتهى حال بعض المحببين إلى أن صارت لذتهم في استشعارهم رضا اللّه تعالى عنهم أكثر من لذتهم في العافية من غير شعور الرضا ، فهؤلاء إذا قدروا رضاه في البلاء أحب إليهم من العافية ، وهذه حالة لا يبعد وقوعها في غلبات الحب ) وجذبات الشوق ، ( ولكنها لا تثبت ) بل تزول وتنتقل وهكذا شأن الأحوال ، ( وإن ثبتت مثلا فهي حالة صحيحة ) مستقلة ( أم حالة اقتضتها حالة أخرى وردت على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 294 | مرتضى الزبيدي