تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
ممكنة ، ولكن قد تغلب المحبة على القلب حتى يظنّ المحب بنفسه حبا لمثل ذلك فمن شرب كأس المحبة سكر ، ومن سكر توسع في الكلام ، ولو زايله سكره علم أن ما غلب عليه كان حالة لا حقيقة لها ، فما سمعته من هذا الفن فهو من كلام العشاق الذين أفرط حبهم ، وكلام العشاق يستلذ سماعه ولا يعوّل عليه ، كما حكي أن فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه ، فقال : ما الذي يمنعك عني ، ولو أردت أن أقلب لك الكونين مع ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك ؟ فسمعه سليمان عليه السلام فاستدعاه وعاتبه فقال : يا نبي اللّه كلام العشاق لا يحكى ، وهو كما قال . وقال الشاعر :
أريد وصاله ويريد هجري * فاترك ما أريد لما يريد
وهو أيضا محال ، ومعناه إني أريد ما لا يريد ، لأن من أراد الوصال ما أراد الهجر ،
شرح
صوت أستاذنا سمنون يدعو اللّه ويتضرع إليه ويسأله الشفاء ، فقال آخر : وأنا أيضا كنت سمعت هذا البارحة وكنت بالموضع الفلاني ، فقال ثالث ورابع مثل هذا : فأخبر سمنون وكان قد امتحن بعلة الحصر وكان يصبر ولا يجزع ، فلما سمعهم يقولون هذا ولم يكن هو دعا ولا نطق بشيء علم بأن المقصود إظهار الجزع تأدبا بالعبودية وستر الحالة فأخذ يطوف على المكاتب ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب اه . قال الشارح : يقال أنه لما أطلق بوله قال : يا رب تبت إليك وأنشد :أنا راض بطول صدك عني * ليس إلا لأن ذاك هواكا فامتحن بالجفا ضميري على الود * ودعني معلقا برجاكا( وأما محبة الإنسان ليكون هو في النار دون سائر الخلق فغير ممكن ، ولكن قد تغلب المحبة على القلب حتى يظن المحب بنفسه حبا لمثل ذلك ، فمن شرب كأس المحبة سكر ، ومن سكر توسع في الكلام ، ولو زايله سكره ) أي فارقه ( علم أن ما غلب عليه كان حالة ) عارضة ( لا حقيقة لها فما تسمعه من هذا الفن فهو من كلام العشاق ) في حال الاستغراق ( الذين أفرط بهم حبهم ) وأشربوا قلوبهم إياه ( وكلام ) العشاق المهيمين ( يستلذ سماعه ولا يعول عليه ) ولا يستشهد به على مقام ، ( كما حكي أن فاختة ) طائر معروف ( كان يراودها زوجها ) للسفاد ( فتمنعه ) منه ( فقال ) لها : ( ما يمنعك عني ولو أردت أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلت لأجلك فسمعه سليمان عليه السلام ) لأنه كان قد أوتي منطق الطير ( فاستدعاه وعاتبه فقال : يا نبي اللّه كلام العشاق لا يحكى وهو كما قال ) ومن هذا القبيل كلام الليل يمحوه النهار ( وقول الشاعر ) :( أريد وصاله ويريد هجري * فاترك ما أريد لما يريد )( هو أيضا محال ، ومعناه : أني أريد ما لا أريد لأن من أراد الوصال ما أراد الهجر