الوجه الثاني : إن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا ، ورأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عن دار الغرور ، ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها وأنسه بها حتى تصير كالجنة في حقه ، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا ولم يسكن إليها ولم يأنس بها وصارت سجنا عليه ، وكانت نجاته منها غاية اللذة كالخلاص من السجن ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » والكافر كل من أعرض عن اللّه تعالى ولم يرد إلا الحياة الدنيا ورضي بها واطمأن إليها ، والمؤمن كل منقطع بقلبه عن الدنيا شديد الحنين إلى الخروج منها ، والكفر بعضه ظاهر وبعضه خفي ،
شرح
اللّه عز وجل فكل قضاء قضاه اللّه للمسلم خير » . وأما حديث سعد بن أبي وقاص فتمامه « وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته » .
ورواه كذلك أحمد وعبد بن حميد والبيهقي في الضياء ، وفي لفظ للطيالسي « عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر ، وإذا أصابه خير حمد اللّه وشكر إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه » . ورواه كذلك عبد بن حميد والبيهقي وفي الباب عن أنس « عجبا للمؤمن إن اللّه لا يقضي له قضاء إلا كان خيرا له » . رواه كذلك ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن منيع . وأما التبسم والنظر إلى السماء فقد روي من وجه آخر من حديث ابن مسعود قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتبسم . قلنا يا رسول اللّه : مم تبسمت ؟ قال « عجبت للمؤمن وجزعه من السقم لو كان يعلم ماله من السقم لأحب أن يكون سقيما حتى يلقى ربه عز وجل » ثم تبسم الثانية ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها فقالوا : مم تبسمت ؟ قال « عجبت لملكين نزلا من السماء يلتمسان مؤمنا في مصلاه » . الحديث .
( الوجه الثاني : أن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا ) كما ورد معنى ذلك في الخبر ( ورأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عن دار الغرور ) بان يبعد عنها وعن الأسباب التي تقربه إليها ( ومؤاتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها وأنسه بها حتى تصير كالجنة في حقه فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته ) لها لتعلق قلبه بها ، ( وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه من الدنيا ولم يسكن إليها ولم يأنس بها وصارت سجنا عليه وكان نجاته منها ) بالموت ( غاية اللذة كالخلاص من السجن ) فيفرح كما يفرح الذي خرج من سجن ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم . ( و ) ليس المراد بالكافر هنا من أشرك باللّه في توحيده ولم يصدق رسوله ، بل ( الكافر كل من أعرض عن اللّه تعالى ) بقلبه ( فلم يرد إلا الحياة الدنيا ورضي بها واطمأن إليها ) وهذا المعنى يتصوّر في بعض من تحلى بظاهر الإيمان ، ( والمؤمن ) هنا ( كل منقطع بقلبه عن الدنيا شديد الحنين إلى