فإن قلت : كيف أفرح وأرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتي ولم يصابوا بما أصبت به حتى الكفار ؟ فاعلم أن الكافر قد خبىء له ما هو أكثر وإنما أمهل حتى يستكثر من الإثم ويطول عليه العقاب ، كما قال تعالى :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] ، وأما المعاصي فمن أين تعلم أن في العالم من هو أعصى منه ، ورب خاطر بسوء أدب في حق اللّه تعالى وفي صفاته أعظم وأطم من شرب الخمر والزنا وسائر المعاصي بالجوارح ، ولذلك قال تعالى في مثله :
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
[ النور : 15 ] ، فمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك ، ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبتك في الدنيا فلم لا تشكر اللّه تعالى على ذلك .
وهذا هو الوجه الثالث : في الشكر وهو أنه ما من عقوبة إلا وكان يتصوّر أن تؤخر إلى الآخرة ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهوّن المصيبة فيخف وقعها ، ومصيبة الآخرة تدوم ، وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلي ، إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية في الآخرة عن المعذبين ومن عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا ، إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن العبد إذ أذنب ذنبا فأصابته شدّة أو بلاء في الدنيا فاللّه أكرم من أن يعذبه ثانيا » .
شرح
( فإن قلت : كيف أفرح وأرى جماعة ممن زادت معصيهم على معصيتي ولم يصابوا بما أصبت به حتى الكفار ؟ فاعلم أن الكافر قد خبىء له ) من العذاب ( أكثر وإنما أمهل ) وترك ( حتى يستكثر من الإثم ويطول عليه العقاب كما قال تعالىإِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماًوقال تعالى :وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ[ الأعراف : 183 ] ( وأما العاصي ؟ فمن أين يعلم أن في العالم من هو أعصى منه ورب خاطر ) يخطر ( بسوء أدب في حق اللّه تعالى وفي صفاته ) ما هو ( أعظم وأطم من شرب الخمر والزنا وسائر المعاصي بالجوارح ، ولذلك قال تعالى في مثلهوَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌفمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك ، ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبتك في الدنيا ، فلم لا تشكر اللّه تعالى على ذلك .
وهكذا هو الوجه الثالث في الشكر ) على المصيبة من الوجوه الخمسة ، ( وهو أنه ما من عقوبة إلا وكان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة ) فيعظم عذابها ، ( ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخف وقعها ) أي أثرها ( ومصيبة الآخرة تدوم وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلي ) عنها بأسباب أخر ( إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية في الآخرة عن المعذبين ) لانقطاع الأحساب والأنساب ، ( ومن عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا ) إذ الجمع بين العقوبتين مما يخالف الكرم ( إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدة أو بلاء في الدنيا فاللّه أكرم من أن يعذبه ثانيا ) قال العراقي : رواه