إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا ولو يوما واحدا ؛ أما من عصى اللّه فليتدارك ، وأما من أطاع فليزد في طاعته ، فإن يوم القيامة يوم التغابن ، فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول : كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات فما أعظم غبني إذ ضيعت بعض الأوقات في المباحات ، وأما العاصي فغبنه ظاهر ، فإذا شاهد المقابر وعلم أنّ أحب الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ما بقي له ، فيصرف بقية العمر إلى ما يشتهي أهل القبور العود لأجله ليكون ذلك معرفته لنعم اللّه تعالى في بقية العمر ، بل الإمهال في كل نفس من الأنفاس ، وإذا عرف تلك النعمة شكر بأن يصرف العمر إلى ما خلق العمر لأجله وهو التزود من الدنيا للآخرة ، فهذا علاج هذه القلوب الغافلة لتشعر بنعم اللّه تعالى فعساها تشكر . وقد كان الربيع بن خيثم مع تمام استبصاره يستعين بهذه الطريق تأكيدا للمعرفة ، فكان قد حفر في داره قبرا فكان يضع غلا في عنقه وينام في لحده ثم يقول :
رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً
[ المؤمنون : 99 ، 100 ] ثم يقوم ويقول : يا ربيع قد أعطيت ما سألت ، فاعمل قبل أن تسأل الرجوع فلا ترد ، ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر : أن تعرف النعمة إذا لم تشكر زالت ولم تعد ، ولذلك كان
شرح
ورد ذلك في الأخبار . ( أما من عصى اللّه فليتدارك ، وأما من أطاع اللّه فليزد في طاعته وأن يوم القيامة ) هو ( يوم التغابن ) كما سماه اللّه تعالى في كتابه ذلك يوم التغابن ، ( فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول : كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات فما أعظم غبني ) وخسارتي ( إذ ضيعت بعض الأوقات في المباحات ، وأما العاصي فغبنه ظاهر ) يرى غيره يحسن الجزاء على أعماله وهذا قد ضيع عمره في الغفلة والعصيان فلا أغبن منه ، ( فإذا شاهد المقابر وعلم أن أحب الأشياء إليهم ) أي إلى أصحاب المقابر ( أن يكون قد بقي لهم في العمر ما بقي له فيصرف بقية العمر إلى ما يشتهي أهل القبور العود ) إلى الدنيا ( لأجله ليكون ذلك معرفة لنعم اللّه تعالى في بقية العمر ، بل في الإمهال في كل نفس من الأنفاس ، وإذا عرف تلك النعمة شكر بأن يصرف العمر إلى ما خلق لأجله وهو التزود من الدنيا للآخرة ) كما هو حقيقة الشكر عند العارفين ، ( فهذا علاج هذه القلوب الغافلة لتشعر بنعم اللّه تعالى فعساها تشكر ، وكان الربيع بن خيثم ) الثوري الكوفي الفقيه الزاهد ( مع تمام استبصاره يستعين بهذه الطريق تأكيدا للمعرفة ) الحاصلة ( له ، فكان قد حفر في داره قبرا فكان يضع غلا في عنقه وينام في لحده ثم يقول ) هذه الآية :( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاًثم يقوم ويقول ) مخاطبا لنفسه : ( يا ربيع قد أعطيت ما سألت فاعمل قبل أن تسأل الرجوع فلا ترد ، ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن تعرف أن النعمة إذا لم تشكر زالت ولم تعد ، ولذلك قال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى : عليكم