تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
عن الدنيا على نفسه قوله تعالى :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
[ النساء : 104 ] ، فإذا إنما انسد طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة والباطنة والخاصة والعامة . فإن قلت : فما علاج هذه القلوب الغافلة حتى تشعر بنعم اللّه تعالى فعساها تشكر ؟ فأقول : أما القلوب البصيرة فعلاجها التأمل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم اللّه تعالى العامة . وأما القلوب البليدة التي لا تعدّ النعمة نعمة إلا إذا خصتها أو شعرت بالبلاء معها ، فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه ويفعل ما كان يفعله بعض الصوفية ، إذ كان يحضر كل يوم دار المرضى والمقابر والمواضع التي تقام فيها الحدود ، فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء اللّه تعالى عليهم ثم يتأمل في صحته وسلامته فيشعر قلبه بنعمة الصحة عند شعوره ببلاء الأمراض ويشكر اللّه تعالى ، ويشاهد الجناة الذين يقتلون وتقطع أطرافهم ويعذبون بأنواع العذاب ليشكر اللّه تعالى على عصمته من الجنايات ومن تلك العقوبات ويشكر اللّه تعالى على نعمة الأمن ، ويحضر المقابر فيعلم أن أحب الأشياء
شرح
أي طلبهم ومقاتلتهم لإعلاء كلمة الحق( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) وهو إشارة إلى تلك اللذة ، ( فإذا إنما انسد طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة والباطنة والخاصة والعامة ) ، وبانسداد طريق الشكر حرموا طريق المزيد وأورثهم ذلك النقصان أبدا . ( فإن قلت : فما علاج هذه القلوب الغافلة حتى تشعر بنعم اللّه تعالى فعساها تشكر ؟ فأقول : أما القلوب البصيرة فعلاجها التأمل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم اللّه تعالى العامة ) المبذولة على الخلق ، ( وأما القلوب ) الجامدة ( البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا إذا خصصتها أو شعر بالبلاء معها فسبيله أن ينظر أبدا إلى من هو دونه ) في أمور الدنيا ( ويفعل ما كان يفعله بعض ) السادة ( الصوفية إذ كان يحضر كل يوم دار المرضى ) وهي المارستان ( والمقابر والمواضع التي تقام فيها الحدود ) الشرعية ، ( فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء اللّه تعالى عليهم ، ثم يتأمل في صحته وسلامته ) من تلك البلايا ( فيشعر قلبه بنعمة الصحة عند شعوره ببلاء الأمراض و ) كان يحضر المواضع التي تقام فيها الحدود ( يشاهد الجناة ) هم الجانون على أنفسهم ( الذين يقتلون ) قصاصا ( وتقطع أطرافهم ) في السرقة ( ويعذبون بأنواع العذاب ) في حد الخمر والقذف وغير ذلك ، أو من طريق السياسة ( ليشكر اللّه تعالى على عصمته ) وحفظه ( من الجنايات ) الشرعية ، ( ومن تلك العقوبات ويشكر اللّه تعالى على نعمة الأمن ) حيث لا يطالبه أحد بدم أو ذمة أو غير ذلك ( و ) كان ( يحضر المقابر فيعلم ان أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا ولو يوما واحدا ) كما
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 262 | مرتضى الزبيدي