من دونه ليستعظم نعم اللّه عليه ، وما باله لا يسوي دنياه بدينه ؛ أليس إذا لامته نفسه على سيئة يقارفها يعتذر إليها بأن في الفساق كثرة ! فينظر أبدا في الدين إلى من دونه لا إلى من فوقه ، فلم لا يكون نظره في الدنيا كذلك ، فإذا كان حال أكثر الخلق في الدين خيرا منه ، وحاله في الدنيا خير من حال أكثر الخلق ، فكيف لا يلزمه الشكر ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه اللّه صابرا وشاكرا ، ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه وفي الدين إلى من هو دونه لم يكتبه اللّه صابرا ولا شاكرا » ، فإذا كل من اعتبر حال نفسه وفتش عما خص به وجد للّه تعالى
شرح
وما باله لا يسوى دنياه بدينه أليس ) هو ( إذا لامته نفسه ) وعاتبته ( على سيئة يقارفها يعتذر إليها بأن في الفساق كثرة فينظر أبدا في الدين إلى من دونه لا إلى من فوقه ، فلم لا يكون نظره في الدنيا كذلك ، فإذا كان حال أكثر الخلق في الدين خيرا منه وحاله في الدنيا خيرا من حال أكثر الخلق ، فكيف لا يلزمه الشكر ) وفي القوت : وفي الشكر مقامات عن مشاهدين أعلاهما : الذي يشكر على المكاره والبلاء والشدائد واللأواء ، والمقام الثاني : أن ينظر إلى من هو دونه ممن فضل هو عليه في أمور الدنيا وفي أحوال الدين فيعظم نعمة اللّه عليه بسلامة قلبه وعافيته مما ابتلى الآخر به ويعظم نعمة الدنيا عليه لما أغناه اللّه وكفاه فيما أحوج إليه والجاه ، فليشكر على ذلك ثم ينظر إلى من هو فوقه في الدين ممن فضل عليه بعلم الإيمان ويحسن اليقين فيمقت نفسه ويزري عليها وينافس في مثل ما رأى من أحوال من هو فوقه فيرغب فيها ، فإذا كان كذلك كان من الشاكرين ودخل تحت اسم الممدوحين ، ( ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه اللّه صابرا وشاكرا ، ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه وفي الدين إلى من هو دونه لم يكتبه اللّه لا صابرا ولا شاكرا » ) قال العراقي : رواه الترمذي من حديث عبد اللّه بن عمرو وقال : غريب وفيه المثنى بن الصباح ضعيف انتهى .
قلت : ورواه أبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الشعب من حديث أنس لكن بتقديم الجملة الثانية على الأولى ، وروى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة : « انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم » أما البخاري فرواه من طريق الأعرج ، والباقون من طريق همام وأبي صالح ثلاثتهم عن أبي هريرة .
وفي لفظ المسلم « إذا نظر أحدكم إلى من فضله اللّه عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل ممن فضل عليه » ولأحمد وابن حبان في أثناء حديث عن أبي ذر « أوصاني خليلي صلّى اللّه عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي » . وعند هناد والبيهقي : « إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم » ، ( فإذا كل من اعتبر حال نفسه وفتش عما خص به وجد للّه تعالى على نفسه نعما كثيرة لا سيما من خص بالسنة والإيمان