تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
حقه ، فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به ويشكر عليه ، فإن أخذ الكنز من حيث لا يدري فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ويبقى شكره لأنه في حقه كالباقي . وأما الخلق ، فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمها ، وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها ، فإذا لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن يشتغل بشكر اللّه تعالى إذ حسن خلقه وابتلى غيره بالخلق السيء . وأما العلم ؛ فما من أحد إلا ويعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أفكاره ما هو منفرد به ، ولو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لا فتضح ، فكيف لو اطلع الناس كافة ؟ فإذن لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد اللّه ، فلم لا يشكر ستر اللّه الجميل الذي أرسله على وجه مساويه فأظهر الجميل وستر القبيح وأخفى ذلك عن أعين الناس وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد ؛ فهذه ثلاثة من النعم خاصة يعترف بها كل عبد إما مطلقا ، وإما في بعض الأمور فلننزل عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا ، فنقول : ما من عبد إلا وقد رزقه اللّه تعالى في صورته أو
شرح
عليه ، فإن أخذ الكنز من حيث لا يدري فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ويبقى شكره لأنه في حقه كالباقي ) فكذلك العقل فإنه بمنزلة الكنز المدفون . ( وأما الخلق ، فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمها وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها ) خالصا منها ، ( فإن لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن يشتغل بشكر اللّه تعالى إذ حسن خلقه وابتلى غيره بالخلق السيء ) ففيه نعمتان عليهما شكران فتحسب كل ما وجه إلى غيرك من المذام نعما عليك بمثل ما وجه إليك من المحاسن لأن النفوس كنفس واحد والمشيئة والقدرة واحدة ، فقد رحمت بأنك من أحسن الخلق فذلك من فضل اللّه عليك . ( وأما العلم ؛ فما من أحد إلا ويعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أفكاره ما هو منفرد به ولو انكشف الغطاء ) وزال الحجاب ( حتى اطلع عليه أحد من الخلق لافتضح ) حاله عنده ، ( فكيف لو اطلع الناس كافة ، فإذا لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد اللّه ، فلم لا يشرك ستر اللّه الجميل الذي أرسله على وجه مساويه ، فأظهر الجميل وستر القبيح وأخفى ذلك من أعين الناس وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد ) فلا تدري أي النعمتين أعظم إظهار الجميل أو ستر القبيح ، وقد مدح اللّه سبحانه بهما في الدعاء المأثور : يا من أظهر الجميل وستر القبيح . ( فهذه ثلاث من النعم خاصة يعترف بها كل عبد إما مطلقا وإما في بعض الأمور ، فلننزل عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا فنقول : ما من عبد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 256 | مرتضى الزبيدي