ليس بينهم تنافس وتقاتل بل مثالهم في تعين مرتبة كل واحد منهم وفعله مثال الحواس الخمس ، فإن البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمهما ولا هما ينازعان الشم ، وليس كاليد والرجل فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد ، وقد تضرب غيرك برأسك فتزاحم اليد التي هي آلة الضرب ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز ، فإن هذا نوع من الإعوجاج والعدول عن العدل سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنه ليس واحداني الصفة فلم يكن واحداني الفعل ولذلك ترى الإنسان يطيع اللّه مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته ، وذلك غير ممكن في طباع الملائكة ، بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقهم ، فلا جرم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، والراكع منهم راكع أبدا ، والساجد منهم ساجد أبدا والقائم قائم أبدا لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ، ولكل واحد مقام معلوم
شرح
مَقامٌ مَعْلُومٌ) أي فلا نتعداه ، ( فلذلك ليس بينها تنافس وتقاتل بل مثالهم في تعيين مرتبة كل واحد وفعله مثال الحواس الخمس ، فإن البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ) فإنه ليس من إدراكاته ( ولا الشم يزاحمهما ) فيما خصا به ( ولا هما ينازعان الشم ) فيما خص به ( وليس كاليد والرجل ، فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد ) فإن الرجل إنما وضعت ليمشي بها وليس من خواصها البطش وإنما هو لليد ، ( وقد تضرب غيرك برأسك فتزاحم اليد التي هي آلة الضرب ) كما هو عادة المغاربة ( ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز ، فإن هذا نوع من الإعوجاج والعدول ) أي الصرف ( عن ) طريق ( العدل سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنه ليس وحداني الصفة فلم يكن وحداني الفعل ، ولذلك ترى الإنسان يطيع اللّه مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته ، وذلك غير ممكن في طباع الملائكة بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقهم ، فلا جرم ) هم كما وصفهم اللّه تعالى في كتابه العزيز (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [ التحريم : 6 ] كما قال تعالى : (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ[ الأنبياء : 20 ] والراكع منهم راكع أبدا والساجد منهم ساجد أبدا والقائم منهم قائم أبدا لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ، ولكل واحد مقام معلوم لا يتعداه ) . وقد روى أبو الشيخ في العظمة ، والبيهقي والخطيب وابن عساكر من حديث رجل من الصحابة : إن للّه ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ما منهم ملك تقطر من عينه دمعة إلا وقعت ملكا قائما يسبح وملائكة سجودا منذ خلق اللّه السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة وصفوفا لم ينصرفوا عن مصافهم ولا ينصرفون إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فنظروا إليه وقالوا : سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك .