تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وسلط الأنس والمحبة عليهم و
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
[ الأنفال : 63 ] فلأجل الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا وبنوا المدن والبلاد ورتبوا المساكن والدور متقاربة مجاورة ورتبوا الأسواق والخانات وسائر الأصناف البقاع مما يطول إحصاؤه ، ثم هذه المحبة تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها ، ففي جبلة الإنسان الغيظ والحسد والمنافسة ، وذلك مما يؤدي إلى التقاتل والتنافر ، فانظر كيف سلط اللّه تعالى السلاطين وأمدّهم بالقوة والعدّة والأسباب وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا وكرها ، وكيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء البلد كأنها أجزاء شخص واحد تتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض ، فرتبوا الرؤساء والقضاة والشحن وزعماء الأسواق ، واضطروا الخلق إلى قانون العدل وألزموهم التساعد والتعاون حتى صار الحدّاد ينتفع بالقصاب والخباز وسائر أهل البلد وكلهم ينتفعون بالحدّاد ، وصار الحجام ينتفع بالحرّاث ، والحرّاث بالحجام ، وينتفع كل واحد بكل واحد بسبب ترتيبهم
شرح
واحد ، فانظر كيف ألف اللّه تعالى بين قلوبهم ) مع اختلاف أشكالهم وأجناسهم ( وسلط الإنس والمحبة عليهم :لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ )من الأموال( جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْفلأجل ) هذا ( الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا ) وتعاونوا ( وبنوا المدن والبلاد ) والقرى ( ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة ) بعضها بقرب بعض ، ( ورتبوا الأسواق ) لمعاملاتهم ( والخانات ) لسكنى من يرد عليهم ، ( وسائر أصناف البقاع ) كالحمامات وغيرها ( مما يطول إحصاؤها ، ثم هذه المحبة ) قد ( تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها ، ففي جبلة الإنسان الغيظ والحسد ) والأنفة ( والمنافسة ، وذلك مما يؤدي إلى التقاتل والتنافر ، فانظر كيف سلط اللّه تعالى السلاطين ) والملوك والأمراء ( وأمدهم بالقوة ) الظاهرة والعدة من السلاح وغيره ( والأسباب ) والآلات ( وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا وكرها ) ولم يخالفوهم فيما يأمرونهم ، ( و ) انظر ( كيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء البلد كأنها شخص واحد يتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض ، فرتبوا الرؤساء ) وهم الأمراء ( والقضاة والشحن ) جمع شحنة بالكسر وهو الحاكم على البلد ( وزعماء الأسواق ) والمحلات وهم رؤساؤها ( واضطروا الخلق ) أي ألجأوهم ( إلى قانون العدل وألزموهم التساعد والتعاون حتى صار الحداد ينتفع بالقصاب والخباز وسائر أهل البلد وكلهم ينتفعون بالحداد ، وصار الحجام ينتفع بالحراث والحراث بالحجام ، وينتفع كل واحد بكل واحد بسبب ترتيبهم واجتماعهم وانضباطهم تحت ترتيب السلطان وجمعه ، كما يتعاون جميع