صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتم مصلحة الخلق ، ثم تأمل كثرة أعمال الانسان في تلك الآلات ، حتى أن الإبرة التي هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك لا تكمل صورتها من حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد الإبري خمسا وعشرين مرة ويتعاطى في كل مرة منها عملا ، فلو لم يجمع اللّه تعالى البلاد ولم يسخر العباد وافتقرت إلى عمل المنجل الذي تحصد به البر مثلا بعد نباته لنفد عمرك وعجزت عنه أفلا ترى كيف هدى اللّه عبده الذي خلقه من نطفة قذرة لأن يعمل هذه الأعمال العجيبة والصنائع الغريبة ! فانظر إلى المقراض مثلا وهما جلمان متطابقان ينطبق أحدهما على الآخر فيتناولان الشيء معا ويقطعانه بسرعة ، ولو لم
شرح
تنتهي النوبة إلى عمل الإنسان ، فإذا استدار طلبه قريب من سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتم مصلحة الخلق ) ويكمل نظامهم ، وقد تقدم أن أصول الصناعات التي لا قوام للعالم دونها أربعة : الزراعة والحياكة والبناية والسياسة ، ومنها ما هي مرشحة لكل واحد وخادمة له كالحدادة للزراعة والقصارة والخياطة للحياكة ، ويدخل تحت كل قسم من ذلك أنواع لا تحصى . وفي القوت يقال : إن الرغيف لا يستدير حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صنعة من السماء والأرض وما بينهما من الأجسام والأعراض والأفلاك والرياح والليل والنهار وبني آدم وصنائعهم والبهائم ومعادن الأرض ، أولها ميكائيل الذي يكيل الماء من الخزائن فيفرقه على السحاب ، ثم السحاب التي تحمله وترسله ، ثم الرياح التي تحمل السحاب والرعد والبرق ، والملكان اللذان يسوقان السحاب وآخرها الخباز فإذا استدار رغيف طلبه سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع ، فهذه كلها نعم في حضور رغيف فكيف بما زاد عليه مما وراءه ، ( حتى أن الإبرة التي هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك ) في الوقت الشاتي ( لا تكمل صورتها من حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد الإبري ) بكسر الهمزة ففتح منسوب إلى الأبر جمع الإبرة ( خمسا وعشرين مرة ، ويتعاطى في كل مرة منها عملا ) مستقلا ( فلو لم يجمع اللّه تعالى البلاد ) وفي نسخة العباد ( ولم يسخر العباد وافتقرت إلى عمل المنجل ) بكسر الميم ( الذي تحصد به البر مثلا بعد نباته ) وتهيئته لأن يحصد ( لنفد عمرك ) أي فني وذهب ( وعجزت عنه . أفلا ترى كيف هدى اللّه عبده الذي خلقه من نطفة قذرة ) أي متغيرة ( لأن يعمل هذه الأعمال العجيبة والصنائع الغريبة ) ، وهذا يدل على أن أصول الصناعات والمكاسب مأخوذة من وحي إما بسماع من الملأ الأعلى وهذا هو الحق أو بإلهام من اللّه تعالى في قلبه ، ( فانظر إلى المقراض مثلا وهو جلمان متطابقان ينطبق أحدهما على الآخر فيتناولان الشيء معا ويقطعانه بسرعة ) ، وأصل الجلم القطع ومنه الجلم محركة المقراض ويقال له أيضا الجلمان بالتثنية كما يقال فيه المقراض والمقراضان والقلم والقلمان ، ويجوز أن يجعل الجلمان والقلمان اسما واحدا على فعلان كالشرطان والدبران ، وتجعل النون حرف إعراب ، ويجوزان يبقيا