حبة الحنطة من القوى ما يغتذي به كما خلق فيك ، فإن النبات إنما يفارقك في الحس والحركة ولا يخالفك في الاغتذاء لأنه يغتذي بالماء ويجتذب إلى باطنه بواسطة العروق كما تغتذي أنت وتجتذب ، ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ، ولكن نشير إلى غذائه فنقول : كما أن الخشب والتراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص ، فكذلك الحبة لا تغتذي بكل شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص ، بدليل أنك لو تركتها في البيت لم تزد لأنه ليس يحيط بها إلا هواء ، ومجرد الهواء لا يصلح لغذائها ، ولو تركتها في الماء لم تزد ، ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد ، بل لا بدّ من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً
[ عبس : 24 ، 29 ] ثم لا يكفي الماء والتراب ، إذ لو تركت في أرض ندية صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء ، فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة متخلخلة يتغلغل الهواء إليها ، ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتى ينفذ فيها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[ الحجر : 22 ] وإنما القاحها في إيقاع الازدواج بين
شرح
تعالى في حب الحنطة من القوى ما تغتذي كما خلق فيك ) من تلك القوى ، ( فإن النبات إنما يفارقك في الحس والحركة ولا يخالفك في الاغتذاء لأنه يغتذي بالماء ويجتذب إلى باطنه بواسطة العروق ) المستنبطة في الأرض ، ( كما تغتذي وتجتذب ، ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ، ولكن نشير إلى غذائه فنقول : كما أن الخشب والتراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص ، فكذلك الحبة لا تغتذي بكل شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص بدليل لو أنك تركتها في البيت لم تزد ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد ) أيضا ، ( بل لا بد من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا ) رخوا ، ( وإليه الإشارة بقوله تعالى ) في جملة تعدد النعم : (أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا) أي من السحاب (ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) ونسبة الشق إليه مجاز (فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً ) وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا( ثم لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركت في أرض ندية ) بالماء لكنها ( صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة ، متخلخلة يتخلخل الهواء إليها ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتى ينفذ فيها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) أي ذات لقاح وقد ألقحت الريح السحاب ، ( وإنما القاحها في إيقاع