تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فينهض ويرمح ، فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرفه الحمار فكيف تقوم بشكر نعمة اللّه عليك ؟ وهذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم اللّه فقط ، فقس على الإجمال ما أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم اللّه تعالى أقل من قطرة من بحر ، إلا أن من علم شيئا من هذا أدرك شمة من معاني قوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 111 ] ثم انظر كيف ربط اللّه تعالى قوام هذه الأعضاء وقوام منافعها وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة ومستقره القلب ، ويسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوّة حس وإدراك
شرح
فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرفه الحمار فكيف تقوم بشكر نعمة اللّه عليك ؟ وهذا الذي رمزنا إليه بالإيجاز ) أي الاختصار ( قطرة من بحر واحد من بحار نعم اللّه فقط . فقس على الإجمال ما أهملناه ) أي تركنا ذكره ( من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل ) الذي يمل الخواطر ، ( وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم اللّه تعالى أقل من قطرة في بحر إلا أن من علم شيئا من هذا ) بقوة عرفانه ( أدرك شمة من معاني قوله تعالى :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهاثم انظر كيف ربط اللّه تعالى قوام هذه الأعضاء وقوام منافعها وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة ومستقره القلب ، ويسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب ، فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوة حس وإدراك وقوّة حركة أو غيرها ) . اعلم أن الروح عند الأطباء جسم لطيف بخاري يتولد من الدم الوارد على القلب في البطن الأيسر منه ، وفائدة وجوده في البدن أن يكون حاملا للقوى حتى ينتقل ويجري في البدن بتوسطه ، لأن القوى لكونها من الأعراض لا تنتقل بدون المحال ، ولذلك صار أصنافها كاصنافها ، فإن الروح إذا تولد في القلب يسمى روحا حيوانيا لكونه عاملا للقوّة الحيوانية ، فينفذ في الشرايين إلى الأعضاء فيفيدها الحياة ، وجزء صالح من هذا الروح يصعد إلى الدماغ فيغيره إلى مزاج أحدّ يصير به روحا نفسانيا أي روحا صالحا ، لأن يكون مركبا للقوى النفسانية ، فتصدر أفعالها عنه . وجزء ليس بكثير في المقدار من هذا الروح أي الحيواني يصير إلى جانب الكبد فيغيره تغيرا يصير به روحا طبيعيا . أي روحا يستعد لقبول القوى الطبيعية فتصدر أفعال منه . وأما القوى فهي هيئات في الجسم الحيواني بها يمكن أن يفعل أفعاله بالذات وهي ثلاثة أجناس : أحدها : القوى الطبيعية ، والثانية : القوى النفسانية ، والثالثة : القوى الحيوانية . ومن القوى الطبيعية ما هي متصرفة لأجل الشخص وهي الغاذية والنامية ، ومنها ما هي متصرفة لأجل النوع وهي قوّتان المولدة والمصوّرة