تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
الأعضاء . فخلق اللّه سبحانه الكليتين وأخرج من كل واحد منهما عنقا طويلا إلى الكبد ومن عجائب حكمة اللّه تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتى يجذب مائيتها بعد الطلوع من العروق الدقيقة التي في الكبد ، إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق ، فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث نقيا من كل ما يفسد الغذاء ، ثم إن اللّه تعالى أطلع من
شرح
يندفع شيء من السوداء إلى المعدة لتنبيه شهوة الطعام ، ثم أن الدم بعد ما دام في الكبد يكون أرق مما ينبغي لفضل المائية المحتاج إليها لترقيق الكيلوس وتنفيذه في المسالك الضيقة ، وتنفصل عنها كما تنفصل عن الكبد فينجذب عنه في عرق نازل إلى الكليتين ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( فخلق اللّه سبحانه الكليتين ، وأخرج من كل واحدة ) منهما ( عنقا طويلا إلى الكبد ) وكل منهما مركب من لحم مكتنز صلب قليل الحمرة وعروق وشراينات وهما موضوعتان عن جنبتي خرز الصلب بالقرب من الكبد اليمنى وشكلهما كنصف دائرة ومحدبهما إلى طرق خرز الظهر ليتمكن الإنسان من الانحناء بسهولة ، وجوهرهما مندمج صلب لئلا ينفذ فيهما إلا الماء الرقيق ومزاجهما يميل إلى البرودة والرطوبة بسبب الأوردة والشراينات فيهما ، وتنكسر بذلك حدة الصفراء النازلة إليهما مع الماء ، فلا تحرق المثانة إذا نزلت إليها ولا حس لهما لئلا يحسا بحدة الصفراء الممزوجة بالماء النازل إليهما فيحفظ الماء ريثما ينطبخ فينهضم قدر من الدم المخالط لذلك أيضا بحيث يصلح لأن يكون غذاء لهما . ( ومن عجائب حكمة اللّه تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد ) وهو عرق عظيم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، ( حتى يجذب مائيتها بعد الطلوع من العروق الدقيقة ) الشعرية ( التي في الكبد ، إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق ) فيغذي الكليتين الدسومة والدموية من تلك المائية ، ويندفع باقيها إلى المثانة والإحليل ، ( فإذا انفصلت من المائية ) الفضلية عن الدم عند خروجه من الكبد ، ( فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث نقيا من كل ما يفسد الغذاء ) وصارت المائية إلى هذين المنفذين فتجذبهما الكليتان ، فيكون الغذاء الواصل إلى الأعضاء بلا مائية فضلية ، والثاني من كل منهما يمر متسفلا حتى يصل بالمثانة ويسميان الحالبين ، وهما مجرى البول ، وإنما جعل الكليتين اثنتين لأن أكثر أعضاء البدن زوج ، والدماغ ينقسم بقسمين . وكذا الأعصاب والعضلات والعروق والشرايين ، فكأن البدن بدنان وإن كان في الحقيقة واحدا فجعل الكليتين اثنتين ليعمل كل منهما عمله من جانب ، ولما كان القلب أشرف الأعضاء ، وكذا الرئة لأنها خادمة للقلب وجب أن يكون غذاؤهما أصفى وانضج من غذاء جميع الأعضاء ، فلهذا قدر الخالق تعالى شأنه أن العرق الذي يوصل غذاء هذين العضوين إليهما نزل من الكبد إلى الكليتين ونفذ فيهما ثم خرج منهما ورجع إلى فوق لتجذب الكليتان بقوتهما المصاصة المائية المصاحبة للدم الذي فيهما لغذائية هذين العضوين الشريفين ، ولينضج الدم المذكور في هذه المسافة